آخر الأخبار

إبراهيم الوزير .. مسيرة جهاد

إبراهيم الوزير .. مسيرة جهاد (10)

كل الاخبار العالمية

ولد إبراهيم الوزير في دار النصر بلواء تعز سنة 1932م (1351هـ)، وتلقى تعليمه في المدرسة العلمية بصنعاء، ثم طور معارفه في المعتقل إثر فشل ثورة 1948 الدستورية، وفي مصر العربية 1954، حصل على دبلوم عالي في الأدب واللغة، ودبلوم أخصائي اجتماعي في " اليونسكو". والده الأمير الشهيد علي بن عبد الله الوزير، أحد رجالات اليمن وعظمائها، عرف بالمروءة والشمم، وحماية أحرار الفكر، ورعاية واحتضان المعارضة.

إبراهيم بن علي الوزير يصدق عليه القول بأنه المفكر السياسي، والفقيه الداعية، والإسلامي الإنسان، فله باع في مجالات شتى، عاش شبابه بين السجن والتشريد، في داخل الوطن كما في الشتات، ومنذ نعومة أظافره كان يعمل وفقاً لتفكيره اليقظ باتجاه تخليص وطنه من براثن الظلم والاستبداد، سواء في العهد الملكي أو الجمهوري.

إثر فشل الثورة الدستورية عام 1948، وجد إبراهيم الوزير نفسه وإخوانه أمام حقائق مفجعة، إذ أعدم الإمام أحمد يحيى حميد الدين، والدهم الأمير علي بن عبد الله الوزير، وقضى أخوهم الأكبر مشرداً في أنحاء المعمورة، وقتل خمسة من أعمامهم، واثنين من أخوالهم ثم زج به واخوانه السجن إلى أن تمكن من الفرار إلى جمهورية مصر العربية.

وسط هذه المحن التي بلغت ذروتها بهدم بيت العائلة في " بني حشيش" بمحافظة صنعاء" ودارهم في صنعاء ومصادرة أموال الأسرة، وممتلكاتها لم يجد إبراهيم وإخوانه سوى يد أمه الحانية، التي سجل مآثرها في كتاب خاص بعنوان ( أم في غمار ثورة ).

لم ينكفئ إبراهيم الوزير على مصائبه، ليبكي على الأطلال، إذ سرعان ما هداه تفكيره إلى تشكيل "عصبة الحق والعدالة"، ليدشن بها حياة سياسية زاخرة بالعطاء والمواقف الوطنية والإنسانية، وعلى اثر ذلك النشاط وجد نفسه في زنازين السجن إلى جوار أدباء اليمن وعلمائها وأحرارها، فتلقى العلوم الشرعية والمعارف الأدبية على يد القاضي والرئيس اليمني الأسبق عبد الرحمن الإرياني، وأدباء اليمن أحمد المروني وأحمد محمد الشامي وإبراهيم الحضراني.

ولما استقر إبراهيم في مصر، وبالرغم من المعاناة التي لازمته في القاهرة، لم يدخر جهداً في سبيل خلاص بلاده، فشكل بمعية ثلة من رموز الحركة الوطنية، "اتحاد القوى الشعبية اليمنية"، كآلية للنضال السياسي المستند إلى تأييد شعبي يضمن للثورة النجاح والديمومة.

في مصر تعرف الوزير على عدد من أعلام الفكر العربي والإسلامي، كالشهيد سيد قطب، والمفكر الكبير مالك بن نبي، ولاحقاً التقى بـ: جمال البنا، خالد محمد خالد، محمد الغزالي، حسين مؤنس، أحمد بهجت، وغيرهم. وعلى مائدة " هموم وآمال إسلامية" التقى الوزير بالدكتور مؤنس في حوار مفتوح، طاف بماضي الأمة وحاضرها ليستشرف مستقبلها، فكان إبراهيم بن علي الوزير- كما يقول عنه المؤرخ حسين مؤنس- من أعاظم مفكري هذه الأمة، ومن فحول اليمن وأقطابه، فقيه علامة مجتهد في شئون الدين، ومن أعظم علماء ومجتهدي العصر، وهو زاهد في الدنيا وواهب نفسه للحث عما ينفع المسلمين.

بعد قيام ثورة سبتمبر 1962، عاد الوزير إلى اليمن ليعمل من اجل مبادئه، زاهداً في المناصب مترفعاً عنها، فقد رفض المناصب كلها من سفير إلى وزير إلى عضو في المجلس الجمهوري إلى عرض برئاسة الجمهورية ليكرس عمله لبناء جمهورية حقيقية. وعندما وجد حكام الجمهورية، يحولونها إلى طبعة ثانية للاستبداد، لم يتردد في مقاومة الانحراف، مستنداً إلى حصيلة فكرية، ألقاها على شكل محاضرات في المعهد القومي للإدارة، وصدرت فيما بعد في كتاب بعنوان: "بدلاً من التيه".

واستقر الوزير في الخارج: بالمملكة العربية السعودية ولبنان والأردن والولايات المتحدة فلم يتنازل عن مبادئه المعروفة، في مناهضة النظم الملكية والدعوة إلى الشورى والحرية والديمقراطية، ملتزماً في ذات الوقت بالتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، وبين واشنطن وجدة أصدر كتابه الأهم "على مشارف القرن الخامس عشر الهجري" إضافة إلى كتاب " الإمام زيد جهاد حق دائم". وكتاب "الإمام الشافعي داعية ثورة وإمام مذهب، ومؤسس علم".

وخرج بنشاطه الفكري من الإطار المحلي اليمني إلى الإطار القومي والإسلامي العام، فألف كتاب " وفي سبيل الله المصرف السابع من الزكاة "، وطاف عدداً من دول العالم، محاضراً في الجامعات والمراكز الثقافية، وضيفاً على مختلف وسائل الإعلام المقروءة والمرئية.

وخلال ما يزيد عن نصف قرن من العطاء غدا واحداً من أبرز رموز الفكر الإسلامي المعاصر، وسياسياً من طراز فريد ، لم يساوم، أو يؤثر الصمت فيسير في الزفة، بل تمسك بالتفكير الحر، ليقول الكلمة المناسبة في الوقت المناسب. وقد لخص نظريته السياسية في برنامج عمل في كتاب "المنهج للحياة – دعوة للحوار".

إبراهيم بن علي الوزير وافته المنية بأحد مستشفيات لندن يوم السبت الأول من شهر رمضان 1435 هـ الموافق 28 يونيو 2014 م. وذلك بعد معاناة طويلة مع المرض كان الفقيد خلالها مثالاً للصبر والاحتساب.

مؤلفات المرحوم إبراهيم الوزير:

1. بين يدي المأساة -1963

2. لكي لا نمضي في الظلام -1962

3. حصاد التجربة -1970

4. بدلا من التيه -1965

5. الحصاد المر -1971

6. في اليمن كما في كل مكان واسلاماه

7. الشرق الأوسط إلى العروبة أم الإسلام -1974

8. العبرة -1977

9. رسالة إلى الأمة -1964

10. رسالة الى مجتهد -1986

11. على مشارف القرن الخامس عشر الهجري -1979

12. القمة وأمانة المسؤولية -1981

13. إمكانية تطبيق النظام التعاوني في اليمن -1956

14. نظرة على الشعر في اليمن

15. خيانة الانتهازية لليمن

16. الميثاق في سبيل الله والمستضعفين

17. زيد بن علي جهاد حق دائم

18. الإمام الشافعي داعية ثورة، وإمام مذهب، ومؤسس علم

19. شهادتان هما منهج حياة

20. الطائفية آخر ورقة العالين في الأرض

21. هموم وآمال إسلامية

22. أم في غمار ثورة

23. المنهج للحياة ( دعوة للحوار)

24. البوسنة والهرسك.. عار للمسلمين وجرح في ضمير الإنسانية.

25. البحر الأحمر يدق الشاطئ بعنف

26. منهج الدعوة النبوية في المرحلة المكية

27. الانسان خليفة الله في الأرض

28. الإسلام منهج حياة وخلاص أبدي

29. وفي سبيل الله المصرف السابع من الزكاة -1986

30. إحدى الحسنيين -1991

31. المقت الكبير -1986

32. زهراء اليمن أم عمار

33. قرآن الفجر

وله العديد من المقالات والمقابلات الصحفية والإذاعية

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn
السبت, 25 نيسان/أبريل 2020 22:08

في ذكراه

كتبه

بسم الله الرحمن الرحيم

سلام لكم وسلام عليكم..

للمرة الثانية وفي فترتين متقاربتين ألتقي معكم في إحياء ذكرى راحل عظيم،  إن دلتا على شيء فعلى مكانة  الراحل الكبير عند أصدقائه ومحبيه، بل وعند من لم يتفق معه في أفكاره  إلَّا أنه لا ينكر عليه مكانته العالية. إن هذا الحب والتقدير له من ناحية ثانية يسكب في نفوسنا الجازعة ما يهدهد  به القلوب الواجفة، ويسكن الضلوع الراجفة، فشكراً أخينا الكريم "ضياء السعداوي" على تفضله بإقامة هذه الفعالية، وإصراره على أن تكون في مكتبته العامرة "الحكمة"، و في اختياره هذا لفتة ذكية حيث أن الحكمة يمانية كما في الحديث النبي عليه الصلاة والسلام، فجميل أن تعقد الحكمة فعاليتها لمفكر حكيم  من بلاد الحكمة، والشكر  موصول إلى الأخ العزيز "صبحي" على ما سلفت له من أياد نحو الراحل الكبير، والشكر أيضاً موصول لمن حضر هذه وتلك  شكر المعترف بأفضاله وكرم مجيئه.

سوف أختصر كلمتي هذه حتى لا أسرق الوقت على أخي قاسم كما فعلت في المرة السابقة، وأترك له المجال ليحلق بأجنحة طوال في أودية خصبة، وسأركز في هذه  الورقة على نقطتين: الأولى نبوغه العلمي المبكر في الحقلين الاجتهادي ونضاله المبكر في الحقل السياسي الثوري والنقطة الثانية ما أضافه على الفكر من جديد مما يجعله في مصاف المجددين الكبار.

أستطيع القول بكل اطمئنان إن نبوغه العلمي ظهر عليه من وقت مبكر، وعندما كنا نحن إخوته ننصرف بعد المدرسة إلى اللعب مع رفاق المدرسة، كان هو يأوي إلى مجالس أبيه العلمية  فينهل من علمه، وإلى حلقة الدراسة في الجامع مع الكبار فيتزود منها، وكان حريصاً ألَّا يفارق أباه في أكثر أوقاته، ولكن عندما علم أن في "هجرة بني الوزير"  مدرسة تدرس العلوم والآداب الحديثة، وتلقي المحاضرات المتفتحة أستأذن أباه أن يسافر إليها للدراسة فمانعه أبوه لما كان له في قلبه من حب، فأصر هو على ذلك لما عنده من طموح علمي رغم حبه الشديد، فسمح له والده لما شاهد عليه من توقٍ للتزود بالعلم والمعرفة. ولما ذهب هناك دخل إلى عالم كبيرٍ من دنيا الجديد لما كان يسمعه من مدرسة العلامة أحمد بن مُحمد الوزير" عن النهضة الجديدة والإصلاح متأثراً بزعيم الإصلاح اليمني عبد الوهاب الوريث"،  ومن خلال مكتبة والده العامرة و ما فيها من كتب قديمة وحديثة وتفسيرات قديمة وحديثة  فالتقى عنده الماضي المجيد بالحاضر الواعد. ولما ودع أباه كان آخر العهد بينهما فلم يلتقيا إلَّا عند ذي العرش المكين.

ومرة أخرى يلتقي الماضي بالحاضر عند نبوغه السياسي، وأستطيع أن أجزم بأن وراءه عاملين: الأول: الإعجاب بصمود أهل البيت عليهم السلام بالرغم من كثرة دمائهم المسفوكة وتساقط شهدائهم الواحد بعد الآخر، وقد خرج من تلك المعرفة بانطباع قوي أن الهزيمة والنصر لا تقاس في معارك الميادين كرًّا وفرًّا، بل في الثبات على المبدأ وإن لم يتقدم في حينه فسينتصر فيما بعد. فعدم استسلام المبدأ هو الانتصار الحقيقي. والثاني تأثر - من خلال مطالعته من كتب والده- بصوت جمال الدين الأفغاني والكواكبي الثوري،  وبأفكار محمد عبده التجديدية، ومن خلال راديو والده تابع جهاد المفتي الأكبر وتأثر بصموده وصلابته، ومن مكتبته الغنية طالع قصص الثورة الفرنسية وتأثر بثوارها  وبشعاراتها. وبالرغم أنه عاش في بيت موفور النعمة إلَّا أن والدته علمته وبنيها الآخرين على شظف العيش.

وهكذا لما سقطت الثورة الدستورية، وذهب العز، وأقبل البؤس قَابَل إبراهيم وإخوته الحالة الممضة بتحد كبير، حمل راية الدستور بعد استشهاد من استُشهد، وسِجن من سُجن، وتشرُّد من تشَرَّد. كان عمره 17 عاماً. ووقف بهذا العمر ليصد تياراً جارفاً في استبسال رائع، وأثبتت الثلاث السنوات القادمة أنه تمكن من إقلاق العهد المنتصر فزُجَّ به في السجن وعمره 20 عاماً.

أحيت "عصبة الحق والعدالة"- التي كان قد كوَّنها قبل سجنه- آمال بقية الثوار الدستوريين المعتقلين، فاحتفلوا بمقدمه في السجن أيما احتفال، وأقروا له بالفضل في إحياء روح الثورة في وقت ظن فيه الناس أن صوت الدستور قد أخمد إلى النهاية، نجد ذلك في ترحيب الشاعر الكبير  الشهير "أحمد بن محمد الشامي" عندما قال في حفل تكريمه داخل السجن:

أأشكر الدهر رغم الهمّ  والألم؟

وهل أبشُّ بقلب غير مبتسـم؟

 

وهل يليق بمثلي أن يُسـرَّ  بما

قد كنت أحسبه ضرباً من الألم؟

 

وما جزاء وصالٍ حف مورده

بالشوك إلاَّ  بكاء غير منفصم؟

 

لكنه الدهر قد جُمَّت غرائبـه

حتى قنعنا من الموجود بالـعدم

 

لما طلعت علينا أشرقت مهج

كانت تخبَّط في بيدٍ من الظلم

 

وعانقت أملاً كمْ طاف مزدهراً

كالضوء أو كعروس الطيف في الحلم

 

وأذّكرت عهدها الماضي فأيقظها

إلى الحياة حياة المجد والكرم

 

تجسمت فيك أمال تهيم بها

قلوبنا يا ابن خير الخلق كلهم

 

فرفرفت حولك الأرواح وانتعشت

بك الحياة ودب البرء في السقم

 

يا كعبة المجد أنَّى للقريض بأن

يفضـي بودي وودي غير منكتم

 

لسادة أنت منهم سوف أجعلهم

ما عشت كعبة آمالي ومعتصمي

 

وليس ذاك لما أرجوه من نشب

كلَّا. ولكن لما أرعاه  من ذمم

 

إن الوفاء لَعهدٌ لا يضيعه

إلاّ لئيم وليس اللَّؤم من شيمي

 

وحيَّاه الشاعر الكبير والمربي الرشيد المرحوم «أحمد المروني» بقصيدة تُرينا الفرحة عند المساجين بتكوين «عصبة الحق» ويقظة الشباب، كما تُرينا كيف كان اليأس يحف بهم في مناخ لا تزال دماء الشهداء تفوح برائحتها الزكية:

هاتها توقظ الشباب النؤُوما 

وتهز الدنيا وتسبي النجوما

 

هاتها شعلة من القبس الخا 

لد تفري ليل الحياة البهيما

 

هاتها قطعة من النغم العلوي 

تحيي النهى وتشفي الفهوما

 

هات ما شئت من حديث المعالي 

قصة تبعث الفخار الصميما

 

وصغ المجد في شعاع من الفـ

كر نشيداً وحي «إبراهيما»

 

أمل لاح في سماء الأماني 

فمحا وحشةً وأجلى هموما

 

ورسول من «عصبة الحق» وافا 

نا بما أفعم النفوس نعيما

 

وبشير بالخير قد حمل البشـ 

رى كما يحمل الربيع النسيما

 

أنت طمأنتنا بأن «شباب الحق» 

يبني   للشعب نهجاً قويما

 

وبأن الجمهور يوقد للطاغـ 

ين نارًا تحوي عذاباً أليما

 

وبأن الزمان سوف يذيق المسـ 

تبدين من لظاه حميما

 

فعلى الرحب قد نزلت وآنست 

نفوساً للظلم باتت رجيما

 

فهي إذ تحتفي بمقدمك السامي 

تحيي  فيك الشباب الكريما

 

وتحييِّ «آل الوزير» حماة الحق

راموا للشعب خيراً عميما

 

فقضـى البعض منهم في سبيل الله 

والبعض لم يزل مستقيما

 

بذلوا المال والنفوس رخيصا 

تٍ لكي ينصـروا الحمى المظلوما

 

عصفوا بالضلال والظلم والدجل 

وشادوا للعدل ركناً جسيما

 

ركبوا الهول والخطوب إلى المجـ

د وخاضوا إلى الخلود الجحيما

 

ولقد أصبحوا بـ«فاتحة التاريخ» 

رمزاً للتضحيات عظيما

 

يا حماة الفخار والحق لا هنتم  اليـ 

وم ولا زال خصمكم مذموما

 

قد أقمتم للدهر أخلد برهـ 

انٍ  بأن   العظيم  لن يستنيما

 

سادتي إخواني..

إننا إذ نحتفل بالسيد النبيل إبراهيم بن علي نحتفل بالشباب الطامح الوثاب، وإننا إذ نحييه نحيي فيه شهداء الحق والوطنية. ولقد كانت محاولتي فاشلة في صوغ التحية اللائقة بالضيف الكريم إذ أن شيطان الشعر لم يرقه الأسر والدخول إلى السجن فأرسل هذه الكلمات المتعثرة باللاسلكي عن طريقة الشفرة فلم أتمكن من فهمها إلا بصعوبة، وإني معتمد على وحدة الشعور، وتجارب العواطف وتفاهم القلوب والأفكار؛ لذلك فإني أرجوكم أن تغضُّوا الطرف عن تقصيري وأن تتموا النقص من وحي مشاعركم الحساسة الكريمة وسأتلقى هذا النقص في فرصة أخرى.

وإني بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن إخواني أرحب بالضيف الجديد علينا بشخصه المعروف لدينا بروحه ونبل عواطفه.

وأحيي في شخصياتكم جميعاً أرواح الشهداء الأبرار الذين صرعوا في سبيل الحق والعدالة واستشهدوا في سبيل القضية الوطنية الخالدة التي لن تموت وقد تغذت بتلك الدماء الطاهرة والمهج العالية التي احتلت في فاتحة التاريخ السطور الأولى. وسبقتنا إلى جنة الخلد تردد مع الملائكة قوله تعالى: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب/23]. رضي الله عنهم وأسكنهم فسيح جناته. وحيَّا الله المجاهدين الأبرار وبارك في عددهم وحقق أماني الكل كما يرضى الله والسلام عليكم). وإعجاباً بشخصية إبراهيم ونضاله وفكره بايعه القاضي العلامة عبد الرحمن الإرياني -رئيس الجمهورية فيما بعد- بعد إلحاح إماماً دستوريًّا، وبايعه الباقون.

سآتي الآن باختصار إلى النقطة الثانية وهي ما أضافه على الفكر الإسلامي من جديد، ويمكن الإشارة إليها في أربعة أفكار جديدة، هي تفسير الأسماء، الفكر البقري، الفكر الكهفي، الفكر المارق، وعلى حد علمي فهذه أفكار لم أقرأها لأحد من قبله، وقد أُعجِبَ بجديدها علامة إسلامي كبير هو المرحوم "محمد الغزالي" ومفكر كبير هو المرحوم "أحمد بهجت" وغيرهما كثيرون، ولن أشرحها لأني سأترك المنبر الآن لفارس المنبر أخي قاسم الأكثر قدرة ومعرفة بفكر هذا المجدد الكبير، إسلام رافقه في كل مراحل حياته، وعاش سراءه وضراءه، وعافيته ومرضه، ولم يفارقه حتى سار معه في موكب الوداع من لندن إلى المدينة المنورة حيث ووري جسده الطاهر في ثراء البقيع المبارك، بجوار جده الرسول الكريم وآبائه الشهداء، وحسن أولئك رفيقا، رحم الله إبراهيم، وحفظ لنا قاسم: حامل رايته من بعده، وشاعر هذا البيت ومفكره.

وسلام عليكم وسلام لكم.

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

محمد يحيى المنصور(*)

قليلون هم من يخصبون الفعل والممارسة السياسية العربية  بالفكر والفكرة والرؤية ويناضلون ويدفعون الثمن من أجل قناعاتهم، وقليلون ونادرون هم من تتطابق سيرة حياتهم مع أفكارهم ورؤاهم التي يحملونها حتى يصبحون هُم الفكرة ذاتها والمشروع عينه مثلما نجد ذلك  واضحاً جلياً في نموذج الراحل الكبير الأستاذ العلامة المفكر المناضل إبراهيم بن علي الوزير الذي رحل غريباً عن وطنه اليمن إلى جوار ربه في العاصمة البريطانية لندن عن عُمر يناهز الـ(83) عاماً   رحمه الله واسكنه فسيح جناته.

 

رحل الأستاذ إبراهيم بن علي الوزير ووطنه اليمن والعالمَين العربي والإسلامي تعيش أوضاعاً مؤسفة، وصراعات بينية سياسية ومذهبية وعرقية خطيرة ومدمرة، وتكالباً أجنبياً على هذه الأمة ومقدراتها وأمنها مشهوداً وواضحاً.

 

لاشك وأن تلك الفواجع والفواقر والمدلهمات قد تركت في قلب الرجل غصصاً كبيرة، وهو الذي جهد وحاول بقلمه ولسانه وحركته التواصلية السياسية  والفكرية على مدى عقود من الزمن في محاولة ترسيخ قيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، ومقاومة الظلم والطغيان والتسلط، ورسم ملامح مشروع نهضوي إسلامي وإنساني  في داخل اليمن وحيثما حطت به عصا الترحال في عواصم العرب والعالم.

 

من سوء حظ اليمنيين أن تحولت لديهم الممارسة السياسية - وعلى مدى عقود خلت  من الزمن بما فيها عقود الثورات – إلى فعل قطيعة ونفي  ومصادرة لحق الصوت السياسي والفكري المعارض ولو بالطرق السلمية، فدفع  الأستاذ إبراهيم وإخوانه وكثيرٌ من قيادات العمل السياسي في اتحاد القوى الشعبية اليمنية الذي كان على رأسه ثمن الموقف الثوري الحاكم والمتحكم في صنعاء اغتراباً ونفياً عن وطنهم، فلم يسمح لحزب اتحاد القوى الشعبية وغيره من الأحزاب بممارسة العمل السياسي العلني إلا عقب قيام الوحدة اليمنية في 22مايو 1990م.

 

كانت تهمة الملكية والإمامية والوزيرية  نسبة إلى إبراهيم الوزير - خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وحتى قيام الوحدة اليمنية – تعد من أ خطر التهم السياسية المسلطة على الناشطين السياسيين والمثقفين والدعاة في الأوساط الشبابية الزيدية التي تفضي إلى السجن والتعذيب والملاحقة والفصل من الوظيفة والتتبع الدائم من قبل الأجهزة الأمنية.

 

وطوال عقود مضت من الزمن ظل الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي القائم في اليمن يتبنى ترديد جملة اتهامات سياسية ومذهبية وعنصرية لقمع وترهيب فئات سياسية واجتماعية معينة ذات صلة وثيقة بالخط السياسي والفكري الذي تبناه الأستاذ إبراهيم بن علي الوزير واتحاد القوى الشعبية، امتد ذلك الخطاب الاتهامي القمعي ليشمل فيما بعد حزب الحق الإسلامي الذي تأسس بعد قيام الوحدة اليمنية1990م  وضم عدداً كبيراً من مراجع المذاهب  الإسلامية في اليمن "الزيدية والشافعية والحنفية"، ونتيجة لذلك الخطاب الاتهامي القمعي  الرسمي الذي تبنته السلطات اليمنية المتعاقبة ظلت كتب ورسائل الأستاذ إبراهيم الوزير ممنوعة من التداول في أوساط الجمهور اليمني، ونشأت أجيال من الشباب اليمني على قطيعة  مع تراثهم الفكري الزيدي الأصيل، ومع الكثير من الرموز السياسية والفكرية اليمنية المعاصرة المبعدين خارج اليمن وفي طليعتهم الراحل إبراهيم بن علي الوزير.

 

لقد جنت عقلية التسلط والاستبداد التي حكمت اليمن طوال عقود من الزمن على نفسها وعلى اليمنيين من خلال ممارستها قمع ومصادرة الأفكار الداعية إلى الحرية والعدالة والمساواة والحكم الشوروي الديموقراطي التي كان في مقدمة الداعين والمتبنين لها اتحاد القوى الشعبية اليمنية بقيادة الراحل الأستاذ إبراهيم الوزير رحمه الله، ومن يتأمل مشروعه الفكري والسياسي الذي صاغه على مدى عقود من الزمن يجد فيه واضحاً الجهد المتميز والرائد الذي يحسب للحركة الإسلامية لمعالجة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقضايا بناء الدولة ومنظومة الحقوق والحريات التي ما يزال اليمنيون والعرب بصدد معالجتها حتى اليوم.

 

ومن واقع الخبرة والتجربة السياسية والفكرية والقراءة العميقة لواقعنا اليمني والعربي والإسلامي والإنساني لامس الأستاذ إبراهيم الوزير معظم قضايا اليمن والأمة وشخّص جوانب القوة والضعف مقترحاً سبل العلاج، سباقاً إلى الكثير منها كما سنحاول الإشارة إلى ذلك لاحقاً.

 

إن خسارة اليمن واليمنيين والأمة بغياب شخص الأستاذ إبراهيم بن علي الوزير لهي كبيرة، فقد كان وهو الغائب عن اليمن حاضراً بفكره ومواقفه وتأريخه النضالي الممتد، بإخلاصه لقضية الإنسان والأمة وسعيه الدؤوب لكشف مواطن الخلل فيها، ومقدماً الرؤى والأفكار للخروج من محنتها، كيما تستعيد دورها ومكانتها الإنسانية  التي أرادها الله عز وجل أن تتبوأها بين الأمم.

 

وبلا شك فإن من أهم مظاهر الأزمة الحضارية التي تعيشها أمتنا – واليمن جزء منها - ما نراه من جحود وتنكر لحملة الفكر والمبدعين وقادة الرأي والتنوير ودعاة الحرية والقيم الذين يعيشون ويموتون غرباء في أو عن أوطانهم لا يحفل بهم الساسة ولا الإعلام ولا المنتديات والمراكز البحثية كما هو العرف في الأمم المتقدمة بغناها القيمي، وبعدم تنكرها لجهود من أسدوا لأممهم الفضل، ومنحوا القيم والأخلاق والمثل صيرورتها وبقاءها.    

 

جدلية الثائر والمفكر

 

ثمة علاقة جدلية بين الثائر والمفكر، فالثائر قد يوجد بمعزل عن المفكر، كما أن المفكر قد يوجد بمعزل عن الثائر بالمعنى المباشر للمفهوم، وعندما تجتمع في الشخص ذاته خاصيتا الثورة والفكر الحامل للثورة المتبصر بالواقع الذي يسعى إلى التغيير وخلق شروط أفضل للحياة فإن هذا الشخص سيكون بمثابة علامة فارقة في تأريخ وطنه وأمته. لقد نشأ الأستاذ إبراهيم بن علي الوزير في بيت علم وحكم وسياسة وثقافة واهتمام بالشأن العام الوطني والإسلامي والعالمي  منذ نعومة أظفاره، وفي ريعان الشباب شهد فصول ثورة 1948م التي قادها والده الأمير علي بن عبدالله الوزير وكبار أفراد أسرة آل الوزير ضد حكم الإمام يحي حميد الدين، وانتهت بفشل الثورة وسوق قادتها إلى السجون وميادين الإعدام.

 

تركت تلك المشاهد والأحداث  الأليمة في نفس الأستاذ إبراهيم وإخوانه وأفراد أسرته بليغ الأثر النفسي والمادي ونالهم ما نالهم من غضب السلطة ونقمتها وسجونها، وتحمل الفتى عبئ رعاية الأسرة والحفاظ على نهج ثورة الدستور، وتراث الأسرة السياسي ومكانتها في المجتمع اليمني، وفي تلك الأجواء العاصفة  تشكلت شخصية إبراهيم بن علي الوزير الثائر الرافض للظلم والحكم الاستبدادي الوراثي، المتطلع إلى مجتمع يسوده العدل والمساواة والرخاء في ظل حكم  إسلامي شوروي عادل يتأسس على قاعدة اختيار الشعب للحاكم وفق شروط ومؤهلات مناسبة تجعل الحاكم محط رقابة الشعب ومحاسبته، وتبعد الحكم عن الاستبداد والفردية والتسلط، وتسمح بقيام دولة المؤسسات التي نص عليها الدستور المقدس لثورة1948م الذي يعد بالفعل نقلة متطورة للنظرية السياسية  في اليمن والمنطقة، بل وأهم محاولات التطوير والتحديث للنظرية الزيدية في الحكم.  

 

إن التجربة الخاصة والمحنة التي عايشها والكثير من أفراد أسرته ومئات الأسر الثورية المنكوبة قد كونت شخصية الثائر الباحث عن خلاصه الشخصي من منظور لا ينفصل فيه الشخصي عن  المجتمعي العام، وهنا تتكون بحصيلة التجربة النضالية الذاتية ملامح الشخصية المفكرة التي تتجسد في شخصية الأستاذ الوزير، وتستمد روافدها مما تعلمه من علوم القرآن والمنطق والبيان والبلاغة والفقه والحديث والتاريخ، ومن قراءات معاصرة لكتب التراث   والفكر والأدب والسياسة، ومن إطلالة مبكرة على الصحافة العربية والإذاعات وغيرها من وسائل الاتصال المعرفي، وانغماس مبكر في نشاط البيت الوزيري السياسي الحافل بوجوه العلم والسياسة والأدب والشخصيات الاجتماعية، ومن اتصال لم ينقطع بالحركة الإسلامية ورموزها وانخراط في قضاياها المعاصرة وهمومها في سبيل البحث عن سبل الخروج بالأمة عن الضياع والتيه السياسي والفكري والاجتماعي.

 

وطوال حياته ظل موصولاً بحبل الثورة، وتحمل من أجلها المشاق والمصاعب، وعانى من النفي والتشريد والاستهداف وحملات التشويه والمصادرة من قبل السلطات اليمنية المتعاقبة، ظل يحمل ذلك الهم الوطني والإسلامي والإنساني ويؤسس لبنات ذلك  المشروع الفكري والسياسي ويرسي  معالمه ودعاماته الواحدة تلو الأخرى...فما هي يا ترى أبرز معالم ذلك المشروع الذي صاغه الأستاذ إبراهيم بن علي الوزير ؟.

 

معالم المشروع

 

ما لاحظته من خلال قراءتي الأولية لبعض ما توافر لي من كتب ورسائل الأستاذ الراحل إبراهيم بن علي الوزير اهتمامه الملحوظ بقضية الإنسان وتحرره من أغلال الاستبداد والقهر والعوز والتجهيل وغيرها من متلازمات.

 

حالة التخلف الحضاري الذي تعيشه اليمن وغيرها من بلدان الأمة، وتلك الحالة المعاشة في الواقع العربي والإسلامي إنما هي  في الحقيقة امتداد لقرون من الاستبداد والظلم والاستئثار بالمال من قبل الحاكم الفرد وبطانته في معظم دورات التاريخ وفي معظم الأقطار والجهات.

 

وفي سبيل الخروج من التيه الحضاري المعاش بَلْوَر المفكر الراحل معالم مشروعه الفكري السياسي النهضوي في مرتكزات أساسية ثلاثة هي:

 

1-  الشورى في الامر.  2 -  العدل في المال.  3 - الخير في الأرض.

 

   وتلك الأسس الثلاثة تشكل أساس النظرية التي تبلورت لدى الأستاذ إبراهيم الوزير وإخوانه في قيادات حزب اتحاد القوى الشعبية، وأصبحت عماد النظرية السياسية للحزب التي  يناضل من أجل تحقيقها منذ نشأته وحتى اليوم.

 

  إن تلك الأهداف تختزل النظرية السياسية في فكر الأستاذ إبراهيم، وبقدر ما هي تعبير عن الحاجة الفعلية الحاضرة والمستقبلية  لشعوب الأمة لكي تستطيع الانتقال إلى ما تصبو إليه من حرية وعدالة ومساواة  وتقدم، بقدر ما هي  حصيلة قراءة عميقة للتأريخ اليمني والعربي والإنساني المترع بالظلم والاستبداد والاستئثار ونتائجه الكارثية على الأمة فيما تعانيه اليوم من صراع داخلي على الحكم وتخلف وجهل ومعاناة وتكالب من قبل القوى الأجنبية والعالين في الأرض بتعبير الأستاذ إبراهيم رحمه الله.

 

  لقد قارب المفكر إبراهيم الوزير قضية الشورى في الحكم من منظور أشمل مما استقر من توصيفات في كتب الفقه السياسي الإسلامي وأكثر مما تضمنته أدبيات الكثير من الأحزاب والحركات الإسلامية، لتكون أكثر استجابة للعصر ومتطلبات الشعوب المبتلاة  بالاستبداد والظلم والجمود.. وفي هذا السياق يقول: (وما يزال المسلمون يتخبطون في السبل المتعددة ، بعيداً عن الطريق الموصل إلى الحرية والكرامة  وحقوق الإنسان، وأمامهم السبيل الذي لا سبيل سواه، سبيل الاسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة. وأهم شرط هو وضوح الخط السياسي لإدارة شؤون الأمة، فلا بد من الوضوح والحسم في ذلك. فما تزال الأمة تظن أن حل مشاكلها محصور فيما تطلق عليه لقب " خليفة" أو " إمام " دون تحديد لوسائل اختياره ولا لكيفية تسيير عمله بصفته وكيلاً وأجيراً لتنفيذ ما تريده الأمة ضمن شروطها عملاً وزماناً ومكاناً، وضمن مؤسساتها في الشورى واستقلال القضاء وما يأطره الحق أطراً ويقسره عليه قسراً....، إنّ النظام الإسلامي هو من مسؤولية الأمة ومن شؤونها، والفرد مسؤول عن نفسه في سعيه ومسؤول عن الأمة فيما يهمها بصفتها أمة، وله حق المشاركة والاختيار الحر) ().

 

إن الأستاذ إبراهيم يضع معالم نظرية إسلامية ديموقراطية للحكم تولي المشاركة الشعبية أهمية بالغة، وتعلي من شأن العمل المؤسسي والفصل بين السلطات، بغض النظر عن مسمى الحكم أكان جمهوريًّا أم ملكيًّا، فالمهم هو المضمون والكيفية وتحقيق العدل وصون الكرامة والحقوق وهذا المنظور المنفتح على الواقع الإسلامي والإنساني يفارق الحالة الجامدة والنصوصية للكثير من الحركات الإسلامية التي لم تقدم شيئاً يذكر لخدمة النظرية السياسية الإسلامية وتطويرها في الواقع، وهي وإن قبلت الديموقراطية الشكلية والمشاركة في الانتخابات والعمل النقابي فإنما لكي تهيمن وتتسلط للأسف، مما كان له الأثر السلبي الكبير على المشروع الإسلامي.   

 

ومن منظور للحكم يقدس العدل ويتطلع إلى الحرية، ويحترم إرادة الشعوب وحقها في صنع واقعها والمشاركة الإيجابية فيه يقول: (وكنا قد قلنا بأن الحرية   السياسية تتمثل بحق الأمة في اختيار حكامها وحقها في مراقبتهم وحقها في تشكيل الأجهزة والمؤسسات لهذه الغاية من بينها الصحافة الحرة ووسائل الإعلام الحرة وكل وسائل ونشاطات الإنسان العقلية والفكرية في المراكز  والجامعات والمدارس وفي المثقفين والمفكرين والعلماء. كذلك فإن المال يجب أن يحظى باهتمامنا فيجب أن لا يكون "دولة بين الأغنياء"  هو نظام فاسد لا يتفق مع كرامة الإنسان ومعنى وجوده على الأرض) ().

 

 وفي هذا الصدد قدم المفكر الثائر إبراهيم بن علي الوزير الكثير من الإضاءات على الواقع الإسلامي المعاصر ناقداً ومفنداً الأفكار والممارسات الاستبدادية بما فيها استبداد الحركات الإسلامية نفسها وموقفها السلبي من الحرية.

 

  وفيما يشبه النبوءة للممارسات السلبية النقيضة للحرية  من بعض الحركات الإسلامية بعد ما عرف بثورات الربيع العربي يقول: (وقد يكون من سلبيات الكثير من الحركات الإسلامية غير المتطرفة عدم وضوح الفهم لمسألة الحرية التي جعلها الاسلام واسعة باتساع الكون، فلم يحترموا حرية الغير والرأي الآخر في مناهجهم مما يوجب على الحركات التي نعتت نفسها بالإسلامية أيا ً كانت أن تعرف أن الحرية التي توفرها الديموقراطية – وأعلى مراتب  الديموقراطية هي الشورى بثوابتها العلمية الإنسانية التي تسع الأرض كل الأرض والإنسان كل إنسان – هي بالنسبة للفكر الإسلامي والحركة الإسلامية بمثابة الماء للسمك، فإذا جف الماء هلك السمك. فلا بد من وجودها والجهاد لتوفيرها مناخاً صحيًّا للحياة) ().

 

  ويلفتنا المرتكز الثالث  في المشروع المتمثل بالخير في الأرض بأنه يتجاوز الحالة اليمنية والعربية ليشكل بعداً إنسانيّ النزعة والدلالة في المشروع، لطالما غاب هذا البعد لدى كثير من منظري الأحزاب والحركات الإسلامية والقومية العربية والإسلامية وغيرها، وللحق فإن الأستاذ إبراهيم الوزير وعبر هذا البعد يعيد تأكيد عالمية الاسلام ودوره ورسالته المغيّبة في الواقع  الإسلامي بفعل التخلف الذي يسود الواقع  الفكري والسياسي الإسلامي الذي ما عاد بمستوى الأهلية والقدرة على الفعل والتأثير الإيجابي المستقل من موقعه الإسلامي المتميز والأصيل انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [آل عمران/110] وإنما أصبح معظم ما يطرح في الساحة الإسلامية يدور في دائرة رد الفعل السلبي أو من موقع التبعية الفكرية والسياسية للآخر.

 

لقد  أكد الأستاذ إبراهيم الوزير ومنذ البداية على ضرورة تبني  قضية الاسلام كهوية حضارية  وكبعد إيجابي ينبغي تمثله والتعبير عنه سلوكاً شخصيّاً ورؤيةً للحياة، ومنطلقاً للتفاعل مع الواقع غير الإسلامي، وفي كتابه: "بين يدي المأساة" رسالة إلى اليمنيين في الخارج، يخاطب المغتربين من أبناء اليمن "وأنت أيها المغترب في بلد حر تستطيع أن تدافع عن قانون السماء، لا أن تلبث  منزوياً تعمل في المهجر، من أجل الأكل والشرب والتناسل، فذلك هو شأن الحيوان.

 

فهلا عملت في بلد، التقنين فيه مفتوح أمامك لتضع القانون الذي ترضاه، الفطرة والوحي والعقل في يمينك، تحرك واستيقظ من النوم،  اترك السلبية، خض غمار الحياة، أين أنت من مواقع التأثير، في المدارس، والجامعات ومؤسسات النشر، والكلمة المقروءة، والمسموعة، والمرئية، ومواقع صنع القرار، إن غيرك هو الذي سبقك إليها"().

 

وبصورة أوضح يجسد هذه اليقينية بعالمية الاسلام ودوره الحضاري المنقذ للإنسانية وبصورة أوضح لمعنى الخيرية في الأرض بقوله: (إنني أعتقد بأن الاسلام يتضمن الحل لكل مشاكل الإنسان المادية والروحية، وذلك لأن الله خصه بتوازن عجيب بين المادة والروح، بين أشواق الروح ومتطلبات الجسد. إنه الوحيد الذي يقدم الحلول لمشكلات الإنسان الاساسية على الأرض بدءًا من الأمراض النفسية المدمرة التي تجتاح البشرية وانتهاء بالأمراض الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. لقد نادى الاسلام بالدخول في السلم كافة. وهو السلام  فيما بين الإنسان والطبيعة. والسلام فيما بين الأمم والشعوب    والسلام فيما بين الإنسان ونفسه، والسلام في استقبال عالم الغيب والشهادة) ().

 

لقد كانت القضية الوطنية في اليمن موصولة بقضية الأمة وشعوبها بل والإنسانية في فكر الأستاذ إبراهيم وفي حركته الدؤوبة وجهاده السياسي والفكري، لم ينحصر ولم يتقوقع في قضيته الوطنية فالخاص غير منفصل عن العام في مشروعه يرحمه الله، وهذه الحقيقة نلمسها في سياق القراءة لمؤلفاته ورسائله العديدة التي تعبر عن مشروعه السياسي والفكري الثري والخصب، وفي هذا السياق لا ننسى أن ندعو المؤسسات الرسمية اليمنية والجامعات إلى الاهتمام  الجدي بتراث الأستاذ المفكر إبراهيم بن علي الوزير وغيره من المثقفين والعلماء والأدباء  طباعة ونشراً وتحقيقاً ودراسات، فما أحوج الأجيال اليمنية الى وصل ماضيها بحاضرها بمستقبلها، والخروج من دائرة الاستبداد والمصادرة والتهميش بعد انتفاء أسبابها المباشرة وسقوط مرتكزاتها السياسية والأيديولوجية المتطرفة في الواقع اليمني والحمد لله.

رحم الله فقيدنا وفقيد الأمة المفكر الثائر إبراهيم بن علي الوزير وعوّض عنه أهله ووطنه وأمته خيراً ولا قوة إلا بالله.

https://telegram.me/Ebrahimalwazir

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn
الصفحة 1 من 3

عنوان موقع صوت الشورى

 صنعاء - شارع العدل  تقاطع شارع الزراعة
أمام محكمة بني الحارث ، جوار قاعة ابن الأمير

البريد الإلكتروني:
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هاتف:

967-777597797+
226773 -1- 967 +
فاكس:
564166 -1- 967 +

هيئة تحرير الموقع

رئيس التحرير

خالد حميد الشريف

المحررون

إبراهيم الحبيشي        محمد المطاع

ألطاف عبد الله        نجوى فؤاد سعيد

محمد الزرقة

تسجيل دخول المدير

تسجيل دخول المحررين