الأحد, 14 نيسان/أبريل 2019 19:33

أصداء روائح مميز

كتبته 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

كادت أن تصم آذاني تلك الفرحة , المعلنة منقبل مكبرات الصوت في إحدى مدارس منطقتي , وأنا مارة ، محاذية سورها المهيب , أبطأت مشيتي عند تسابق رائحة الفل إلى أنفي  , وأنا بطريقي إلى البيت . يمرون بجواري آباء , امهات , أخوات , إخوان  يسارعون للوصول إلى بداية حفل تكريم أبنائهم ,  تتدلى على أذرعهم عقود فل زاهية , ما أجمله من منظر يسلب العقول، وسرور بتلك البراعمالمحكي عنها. توقفت لأتأمل المزيد , وتخزن ذاكرتي رائحة الفل بداخلي , ورائحة العلم , رائحة وطني وما زال معافى بالعلم .

  وإذا بذاك الصغير أمامي ذي الثانية عشرة من عمره, تتدلى بذراعيه , عقود الفل , لم يكن أحد الطلاب بالتأكيد ، وهو موجود في مثل ذاك التوقيت على ساحة الشارع , أجده لا يفوته النظر إلى كل المارين حوله , ماداً ذراعيه  دونما ألفاظ تنطق . أتقصى هويته  , ملابسه , شعره ,  زوج حدائه المتغاير , عينيه الزائغتين . وصلت هويته إلى مع الأسف !!

 بائع للفل , تغاير رائحةالفل الزكية ملابسه التي لا تخفي لون جسده , فوالدته لم تتقن رقاع ثوبه,  قميصه , بنطلونه .

  أغمضت عيني أتحسس جوانب المفارقة المعلنة في بلادي . طبقة غنية في الأعلى وأبنائها ترفرف قلوبهم في يوم تخرجهم , ولا أعلم أي تخرج  للمراحل الدراسية من الأول وحتى السادس  , يستمر مشيي وأعجب حين تلتقط عينايعلى يدي المتخرجين في الطريق مجلات عليها ملصقات صورهم وفقرات تخصحفل التخرج .

  قمة عليا لا تنفصل عن السفلى , عن الصبي هاني, بائع الفل ، فهما أبناء منطقة واحدة، أبواهمايحملان هوية واحدة هي اليمن . أية فرحة تلك الموءودة بداخلي , وجوانح هاني وأمثاله , المتعطش لساحة المدرسة دونما تسرب لمشاعر التعاون , والرحمة والمسؤولية  قبل كل شىء تجاء أبناء الوطن الواحد . حين يرى الجار جاره غارقا  بين جلابيب الجهل , وهو يتغنى بسيادته وأبنائه المتعلمين , بالمالكان وصولهم , فكيف لهاني الوصول!! ، وحقه منهوب في ذمة الأغنياء , يترقبون دخول الشهر الكريم , رمضان السنوي ليأخذوا بعضاً منها , ما يسد جوعهم المادي لا الذهني العلمي , وقد أصبحت عقولهم خاوية إلا من صور علب الماء البلاستيكية التي يجمعونها كل صباح , عقولهم مرصوصة بأشكال المعادن التي يشترونها بثمن بخس ويبيعونها بثمن بخس , يمتلكون ثقافة عليا بمواقع القمامة في حارتهم وما جاورها , ومعرفتهم بما تمتلىءبه من بقايا ما تركه الأغنياء جيرانهموغير جيرانهم .المكدسةأموالهم على صفحات البنوك , , وبضائعهم تنتشر رائحتها في الفضاء تعلن انتهاء صلاحيتها , محتكرة لحين غلائها ,  وكانتغاية هاني وهدفه المستقبلي مع أسرتهتمنيالفوز بها. أما العلم فأسطورة يسمعها بائع الفل ، تخطها ذاكرته في سجلات حياته ويومياته .

مفارقات تلتقطها أعيننافي أرجاء منطقتي، دونما صحوة حب للوطن , للنظر إليه كصورة كلية , فيتساوى هاني والمكرم المتخرج . هذيان , أم أماني , أهي الجنة  أنينظر الأعلى للأسفل ويمد له سلم المساواة ليس فضلاً , بل واجب يتغافلونه  .

  معرض صور يدعو لنوع من الضحك الهستيري . وأنا أرى مدارس خاصة جداً جداً , مدارس عامةجدا،إلى حد خلو ساحتها من الطلاب، الذين يشاطرون أسرهم هم العيش , دونما اعتبار لمرحلتهم العمرية .

  أعجب من امتنان هاني وفاضل وشيمة وافتكار في شهر رمضان لما تناثر من أغنياء بلادهم  , وهم في هلكة من الحاجة للعلم , وقد تجلت فرحة تخرجهم  , مع خروجهم من بين يدي أسرهم , دون تقريع أو ضرب على رؤسهم ، مرضي عنهم تجاه ما يحصدون للأبوين طوال نهارهم .

  أما لو علم الصغير بسوق نخاسة في العصر الحديث لسابق , وباع نفسه بثمن بخس , ضامناً كفالة يومه, وسلم من تأديب أسرته اليومي , إزاء جرمه العظيم، حين لا يكون الصغير كبيراً , تسابق قدرات عقله , قدرات الراشدين في طرق أسباب الكسب .

 ما يحزن سطوري أن هاني غير متعلم، لن يصل إلى قراءة  مقالي , وقد تبنيت التعبير عما في صدره دون علمه, لن يقرأها ذاك الغني المعني البعيد جدا جداً عما يكشفه ستارالصفحة .

فإلى منيا ترى تتوجه نيراني  , ومن ستحرق , والمعنيون خلف أسوار منازلهم العالية جداً محجوبون ,ينعمون بأضواء وأنوارشديدة في حجراتهم , فلا يرون أي ظلمة خارج فضائهم , وإلى أن يخرجوا يوما ما , ويخرج قادة البلاد للنظر إلى ترهل هاني في الطريق , وقد مسح الشيب هوية صغره , وتوارى جسده تحت التراب ,ينثرون الرحمات عليه  عند مرورهم  جوار المقبرة على سياراتهم الفارهة ,  فقبر هانيمن القبور التي لا ضريح ولا اسم عليه، ارتفاع أحجاره لا يتعدى شبرا ,ينثرون رحماتهم ، تجاه معرفتهم،أنرحم الله قبرا لا يعرف. .

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn
تم قراءته 72 مره آخر تعديل على الإثنين, 15 نيسان/أبريل 2019 14:11

وسائط

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عنوان موقع صوت الشورى

 صنعاء - شارع العدل  تقاطع شارع الزراعة
أمام محكمة بني الحارث ، جوار قاعة ابن الأمير

البريد الإلكتروني:
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هاتف:

967-777597797+
226773 -1- 967 +
فاكس:
564166 -1- 967 +

هيئة تحرير الموقع

رئيس التحرير

خالد حميد الشريف

المحررون

إبراهيم الحبيشي        محمد المطاع

ألطاف عبد الله        نجوى فؤاد سعيد

محمد الزرقة

تسجيل دخول المدير

تسجيل دخول المحررين