آخر الأخبار

الأربعاء, 14 تشرين1/أكتوير 2009 08:03

مراجعات وتأملات فكرية في مفترق قرنين

كتبه  قاسم بن علي الوزير

 ضحت الأمة بحريتها وحقوقها على أمل التحرير، ورفع الحكام الجدد شعارات الحرية، والعدالة، والمساواة، ليكسبوا بها الجماهير وأفرغوها من مضامينها ليكسبوا استمراريتهم في الحكم.
• نشأت حركة الإصلاح والتجديد، فكانت «هي الاستجابة». وانتعشت حركة «التقليد» فعبرت عن «رد الفعل»
• الحرية تتضمن «التحرر» بالضرورة. والعكس غير صحيح، والحق أننا تحررنا من الاستعمار، ولكن وقعنا في «العبودية» تحت نير التبعية
• سقط مشروع الدولة العربية الواحدة المستقلة على يد الحليف البريطاني الخادع ولكن «الفكرة» ذاتها لم تسقط، عن ضمير العالم العربي
• كان من نتائج الاحتكاك بأوربا وثقافة التغريب أن ظهرت النزعة الطورانية داخل الإمبراطورية العثمانية، باسم القومية تقليداً، وبذلك أصبح «التتريك» سياسة معتمدة.


كان القرن التاسع عشر هو قرن الإمبراطوريات الكبرى، وكان في ذات الوقت، هو قرن انهيار أو بداية انهيار تلك الإمبراطوريات واستحواذ الإمبراطورية البريطانية على نصيب الأسد من الإرث العام تليها في ذلك الإمبراطورية الفرنسية، وقد بلغت المرحلة الاستعمارية -على يديهما- أعلى مراحلها.
وكانت الإمبراطورية العثمانية هي إحدى هذه الإمبراطوريات الكبرى التي تتداعى للسقوط، وكنا- في عالمنا العربي- جزءاً من هذه الإمبراطورية، على نسب مختلفة من الارتباط، ولكن تحت سيادتها على كل حال.

وكان السلطان عبد الحميد، وهو في الواقع آخر السلاطين العظام، يحاول تفادي الانهيار لإمبراطوريته، أو لما بقي منها على الأصح.
وقد انتهج لذلك وسيلتين:
أولاهما: تبني «الجامعة الإسلامية» بجعل الإمبراطورية العثمانية مكونة من شعوب متساوية الحقوق في ظل الخلافة العثمانية الجامعة وذلك لمواجهة الهجمة الاستعمارية الشرسة على العالم الإسلامي، وعلى القارتين الأسيوية والأفريقية بشكل عام، وعلى إمبراطوريته بشكل خاص؛ فقد التهمت روسيا القيصرية دول وشعوب أسيا الوسطى، واحتلت بريطانيا مصر واستعمرت الهند وقضت على دولة المسلمين فيها واستولت هولندا على إندونيسيا ومزقت،مع بريطانيا، ماأمكن تمزيقه منها إلى دول ومقاطعات، واحتلت فرنسا معظم «الشمال» الإفريقي، واستباحت هي وبريطانيا القارة الإفريقية، وطوقتا عقر دار الإمبراطورية نفسها في الجزيرة والعراق وبلاد الشام التاريخي.
وثانيهما: العمل المستمر والدءوب على إثارة الصراع وإذكاء ناره بين تلك القوى الطامعة في وراثة إمبراطوريته، وتصعيد ذلك – ببراعة- مستفيداً من عنصر التنافس بين تلك القوى وعنصر الصراع على المصالح والأطماع في إمبراطوريته محتفظاً - في ذات الوقت- بقوته، منتهجاً الحياد في انتظار اندلاع الحرب القادمة بين تلك القوى، كما كان يتوقع لها ويعمل جاهداً من أجلها، وكما تؤذن بها كل المؤشرات والنذر. لقد كان يتوقع أن تلك القوى المتصارعة سوف تخرج من الحرب المنتظرة منهكة وضعيفة وهو- بحياده- محتفظ بقوته، وهو بذلك يكون الأقوى؛ فيسترد حينئذ مكانة إمبراطوريته، وليس الحفاظ عليها فقط.
لقد أدار كل سياسته، وكل جهوده على هذا الأساس.
ولكن، لقد أطيح به قبل ذلك. ومن ثم ذهبت جهوده وخططه أدراج الرياح العابثة وهو يودعها في معتقله، بدموع البطل المنكسر حين انتهى إليه نبأ دخول تركيا          «الاتحاد والترقي « الحرب مع ألمانيا قائلاً: لقد ذهب اليوم ما عملت من أجله ثلاثين عاماً.
إن ثورة الاتحاد والترقي قد قطعت ذلك الخط، واستهلت خطة جديدة في مرحلة جديدة، قوامها الاعتماد على الطورانية أساسا قوميا تمد سلطاتها على أجزاء الإمبراطورية على هذا الأساس متمثلة النموذج الأوربي الاستعماري ولكن بحفاظ على إسلامية تحافظ على وحدة الإمبراطورية بإبقاء شكل الخلافة التي كانت قد فقدت قوتها!
والهجمة الاستعمارية على العالم الإسلامي لم تكن فقط هجمة احتلال عسكري واستغلال اقتصادي، وإنما أيضا أهم من ذلك هيمنة اجتماعية تفكك عرى المجتمعات وتنسف قواعدها باذرة بذور عرى أخرى تخدم أهدافها الاقتصادية والعسكرية باسم التغريب، وهيمنة ثقافية تصفي قيم تلك المجتمعات، وتحل محلها قيم ثقافة مختلفة تقوم على تغيير السلوك واستيراد العادات في الملبس، والمأكل وغيرها من العادات الاجتماعية والمسلكية باسم التحضّر، وتعزيز ثقافة وعادة الاستهلاك تنشيطا للاستيراد باسم التقدم، وهيمنة تعليمية بتغيير مناهج التعليم وفقا لحاجات ومتطلبات الاحتلال وليس تحديثها وفقا لحاجات ومتطلبات وضرورات تطور تلك المجتمعات.
لقد كانت هذه الهجمة أو الاستباحة الأوربية المتعددة الأوجه تحدّيا مصيريا للمجتمع الإسلامي والعربي كله، أثارت «استجابة» قوية من جانب، و «ردة فعل» من جانب آخر.
وهنا أحب أن أؤكد بأقصى ما يتأتى من الانتباه على نقطة جوهرية هي: أن ثمة فارقا كبيرا بين «الاستجابة» المقصودة وبين «ردة الفعل»، ولا بد من استصحاب هذا الفارق كلما أمعنا النظر في مسار التاريخ المعاصر!
فمن طبيعة المجتمعات الراكدة أن تواجه «التحدي» إما بردة فعلٍ وجودية وتلقائية تدفع المجتمع أن «يتقوقع» وينغلق على ذاته حفاظا عليها وعلى البقاء كما تفعل «السلحفاة» عندما يفجؤها الخطر. وهي بذلك تأخذ  بأقصى حدود «الموجود» باعتباره «الموروث» التي تلوذ به، والذي يجب الحفاظ عليه حفاظا على الذات.
وإما أن يستثير قواه فينفض عن نفسه سلبيات «الموجود» باعتباره من مقومات الضعف الذي عرّضه للهزيمة أمام تلك الهجمة، ومن هنا يستنهض قواه جميعا وبذلك يحقق «الاستجابة» الإيجابية التي يجدد بها الذات، ويغير بها الواقع، ويواجه بها العدوان ويستعيد بها الدور.
وقد حدث الأمران معا.
نشأت حركة الإصلاح والتجديد، فكانت «هي الاستجابة».
وانتعشت حركة «التقليد» فعبرت عن «رد الفعل».
وفي ضوء هذا نتابع مسار الأحداث:
ففي النصف الأخير من القرن التاسع عشر انطلقت- لأسباب عديدة يمكن إدراكها وتتبعها تاريخياً- حركة تجديد فكري وإصلاح ديني، وتحديث علمي وسياسي واجتماعي، في وقت واحد هزت المجتمعات الشرقية كلها وليس العالم الإسلامي والعربي وحدهما.
وإذا تتبعنا– بدقة- الخط البياني لتطور تلك الحركة المباركة (وليس إرهاصاتها) فإننا سنقف ولا شك عند «مفجر النهضة» و «موقظ الشرق» و «حكيمه»، كما يطلق عليه بحق: جمال الدين الأفغاني ومن ثم مدرسته التي أخرجها وفي طليعتها مجدد القرن: الإمام محمد عبده، فبعثت الحياة والحركة في كل مجتمع من تلك المجتمعات، وبخاصة العربية.
وقد ارتكزت هذه الحركة على:
1-  فكرياً وعقائدياً: تجديد الفكر الديني، وفتح باب الاجتهاد، وإعادة دور العقل إلى مكانته القائدة في المجالات كلها وجعل ذلك شرطاً لحرية الإنسان وتكليفه، ومسؤوليته عن نفسه وعن الطبيعة من حوله بحيث يصبح للعقل وللعلم السيادة في ارتياد أفاق البحث في شؤون المجتمع، والطبيعة. وفي فهم الدين! وتلك كانت  الأساس لحركة الإصلاح.
2-  وسياسياً:
أ‌- داخلياً: القضاء على الاستبداد ومخلفاته بإعادة الحكم إلى الأمة واختيارها الحر على مبادئ العدل والحريات والشورى.
ب‌- وخارجياً: التحرر من الاستعمار، فيما قد استعمر من بلاد، ومقاومته وصده عما يزمع استعماره من بلدان ومن المهم هنا القول أنه قد جعل من التحرر الداخلي من الاستبداد والظلم، ومن الجمود والتقليد شرطين موضوعيين لتحقيق هذا الهدف.
وقد رأى أن قيام «الجامعة الإسلامية» على أسس لامركزية تحقق «الوحدة» التي من شأنها أن تحقق القدرة على الوقوف في وجه الاستعمار والتحرر منه. وفي هذا التقى مع هدف السلطان عبد الحميد وحاول التعاون معه.. ولكنه أختلف معه – أيضاً- حول القضايا الأخرى. وهذا هو ما يفسر العلاقة الملتبسة بين الرجلين: رجل التجديد وسلطان التقليد. إذ كان ما يجمع بينهما هو:
فكرة «الجامعة الإسلامية» باعتبارها الوسيلة لتوحيد قوى الأمة في مواجهة أعدائها من قوى الاستعمار. وكان ما يفرق بينهما هو: «فكرة» التحرر الداخلي من الاستبداد ومن نمط الحكم الفردي، ومن حجر الحريات من جهة ومن التجديد الفكري والإصلاح الديني القائم على الحرية والتحرر من جهة أخرى.
وتلك كانت مأساة السلطان عبد الحميد الذي أراد التحرير والتحرر خارجياً، والحفاظ على الجمود والتقليد ونمط الحكم الاستبدادي الموروث داخليا، بينما كانت نظرية التجديد والتحديث - كما يراها الأفغاني ومدرسته- شرطاً موضوعياً لتحقيق ذلك عن طريق تحقيق نهضة حقيقية تخرج بها الأمة من ظلمة الانحطاط والجمود والتقليد والضعف والتخلف. لاستيفاء شروط النهضة واستئناف  الحضارة واستلام زمامها.
في رصدنا لعملية حركة «الأفكار» نجد الآن فكرة أساسية هي فكرة «الجامعة الإسلامية» تحرّك كثيراً من الأحداث، ومن ناحية أخرى نجد «فكرة» التجديد والتحديث التي تابعت حركتها على نحو مطرد، تتابع تجلياتها العملية على أكثر من صعيد.
لنتوقف هنا قليلاً عند مجمل «الأفكار» التي قامت عليها حركة التجديد والتحديث استكمالاً لما سبق.
أولا: إحياء العلم بتجديد مفهومه وإعادة الوحدة والاتصال بين علوم الدين وعلوم الدنيا باعتباره علماً واحداً غير محصور فيما أطلق عليه – خطأ- علوم الدين. وبالذات «فروع الفقه» ورجاله وشروطه. فميدان العلم هو الطبيعة وقواها، والكون وما فيه، والمجتمع وقوانينه ومجالات المعرفة بأصنافها دون قيد، وجعل ذلك هو طريق الوصول إلى الله سبحانه من خلال آياته المدركة بالعقل والعلم، المسددة بالوحي ومن ثم فإن « الفقه» فرع من العلم وليس كل العلم.. وهو فرع، على خصبه وثرائه وعظمته، أصابه «التقليد» بالجمود. ويجب وفقاً لعملية الإحياء هذه أن يتحرر من التقليد، ويتجدد بالاجتهاد المستمر.
ثانياً: القطيعة مع عصور الانحطاط واعتبارها مرحلة «جمود» و«تقليد»، جمدت العقل فتعطل عمله وانقطعت بذلك صلته بعلوم الكون و»قلدت» فتعطل الاجتهاد والاستنباط فانحبست علوم الدين في قوالب جامدة لا تكاد تربطها بعلوم الحياة  وبالظروف المستجدة والزمن المتحرك.. وبذلك عزلت المجتمع عن حركة التأريخ، وأصبحت الأمة نتيجة لذلك - قابلة و عرضة للاستعمار- وما بعده! وواضح بأن معنى هذه القطيعة هي القطيعة مع «المنهج» الذي ساد في تلك العصور الخ
ثالثاً: فتح باب الاجتهاد في الفكر والفقه وإغلاق باب التقليد عملاً بتعاليم الإسلام واتباعاً لمنهجه ليتحقق التفاعل مع مقتضيات العصر، ومنتجات الحضارة علمية ومادية وسياسية وتنزيل النص على الواقع المستجد لتغير الأحكام بتغير الزمان!.
بهذه «الأفكار» وأمثالها انطلقت حركة التجديد والتحديث بما يمكن اعتباره –بحق- منطلقاً وبداية «للحداثة» في العالم الإسلامي، والعربي إذا أردنا استخدام هذا المصطلح مجاراة لمن يرفعون شعار «الحداثة» في سياقها الأوروبي اليوم لبيان «حداثة» متميزة في سياق تاريخ المسلمين، تلتقي مع التجربة الأوروبية، ضمن المشترك في التاريخ البشري وتختلف بمقتضى المنطلق المعرفي الذي يميز ثقافة عن أخرى.
ومن أجل تأصيل ذلك؛ فقد أرسى الأفغاني وعبده ومدرستهما مصادر المعرفة بـ:
1- العقل.
2- الحواس.
3- العلم.
4- الوحي.
ونحن هاهنا نرى هذه الإضافة المبدعة على مفهوم الحداثة في الغرب بجعل الوحي مصدراً من مصادر المعرفة مما يستتبع الحفاظ على:
أولاً: القيم الأخلاقية وثباتها بما يحقق ضبط جماح العدوانية، والاستغلال للناس وللطبيعة وإرساء القيم العليا باعتبارها أو من حيث هي المعيار المهيمن لضروب الأفعال وغايات العلم والجهد البشري..
فالعقل، والعلم، والتجربة، والحواس، هي مصادر المعرفة في عالم الشهادة أي الكون والطبيعة والإنسان، و»الوحي» مصدر المعرفة لعالم الغيب الذي لا تدركه الحواس ولا يخضع للتجربة، لوقوعه خارجها. وإنما السبيل إليها الوحي إذ أننا بالعقل، والعلم بفروعه جميعاً نستطيع النظر في ملكوت السموات والأرض نتعرف على آيات الله ونهتدي بها إلى وجوده عز وجل، ولكننا بالوحي فقط نتعرف عليه، ونتلقى رسالته، وأنباء اليوم الآخر وأخبار الغيب ليهتدي بها من يشاء ويضل عنها من يشاء، ولكنها في كل حال هي مصدر القيم الضابطة لوجهة المسيرة الإنسانية، أدرك ذلك من أدرك وعمي عنها من لم يرد إدراكها.
وإذا كانت الحداثة الغربية قد قطعت صلتها بالكنيسة لظروفها الخاصة، فإنها لم تقطع -في بدايتها- صلتها بالله ولا بالدين ذاته على وجه العموم، فقد بقي لها من القيم المسيحية الأصيلة ما كفل لها القدرة على أن تورث الحضارة وتقودها، بيد أن استمرار إسرافها في البعد عن هذه القيم وانطوائها على جذور أخرى -خارجها- تعرضنا لها في أحاديث سابقة يكشف عن أسباب ما تكابده اليوم من مشاكل اقتصادية وأخلاقية واجتماعية وسياسية على مستوى العالم لتنكرها للعدل خارج إطارها الجغرافي ومجافاتها للقيم المتصلة بعلاقاتها بالإنسان وبالطبيعة معاً.
ولقد تفادت أصول «النهضة» الإسلامية العربية ذلك المـآل باتخاذ «الوحي» مصدراً وأساساً من مصادر المعرفة بما يؤدي إلى الحفاظ على ثبات القيم ودورها على مستوى الذات وعلى مستوى الآخر. وعلى مستوى الإنسان وعلى مستوى الطبيعة جميعاً.
وإزاء ذلك استجمعت قوى التقليد قواها وانحازت إليها السلطة حيثما وجدت واستهدفت:
- مناهضة التجديد الفكري والإصلاح الديني والإحياء العلمي والتمسك بالتقاليد الموروثة لعصور الانحطاط.
- مناهضة التغيير السياسي بالحفاظ على الموروث الاستبدادي من أشكال ومضامين ومحاولة الموائمة بينهما وبين الدين الخ.
- الحفاظ على «التقليد» المذهبي ومعارضة الاجتهاد واعتباره بدعة يجب القضاء عليها.. بما يجر إليه ذلك من إيقاف لعجلة التطور وانحباس للإبداع.
وهكذا أُستحيي أو أُستدعى تيار فكري ثالث هو تيار «التقليد» أو الجمود في مواجهة تيار «التجديد» أو «التحديث» و»الاجتهاد».
وكان لكل من هاتين «الفكرتين» جماهيرها وقواها..
ولأن الاستعمار كان قد أوشك أن يغطي وجه المعمورة؛ فقد نشأ تيار ثالث هو تيار «التغريب» وجماع فلسفته في كلمة هو « تقليد الغرب» القوي المنتصر، أي تقليد مظاهره لا اقتباس مناهج العلم عنده!
وهكذا أصبح «للتقليد» معسكران:
أ‌- تقليد ماضوي، داخلي مرجعيته عصور الانحطاط وأفكاره وأنماطه ومنهجه بعيداً عما قبلها وعن العصر.
ب‌- وتقليد أوروبي، يتشبّه ولا يتفاعل، ويقلد ولا يستوعب ويعنى بالشكل ويجهل الجوهر.. فلا هو استمرار لذاته ولا هو استيعاب لمن يقلد ومن ثم تجاوزه.
والتقى التياران التقليديان في جبهة واحدة هي مواجهة تيار التجديد والتحديث، ومع هذا الأخير العلم والإيمان وقوى النهضة والتقدم ومع تياريّ التقليد قوى الجهل وقوى السلطة للأول.. وقوى الاستعمار أولاً والهيمنة الآن للثاني!!
وكان من نتائج الاحتكاك بأوربا وثقافة التغريب واستلهام تجاربها أن نجمت داخل الإمبراطورية العثمانية النزعة الطورانية باسم القومية تقليداً. وقد تجسدت في حركات وأحزاب ونجحت –أخيراً- في الإطاحة بالسلطان عبد الحميد،  وبذلك أصبح «التتريك» سياسة معتمدة.
وكان من نتائج ذلك أن «تفجرت» نزعات قومية شتى مزقت الإمبراطورية أو ما بقي منها. وفي مواجهة تلك النزعة، ونتيجة لها، ولدت فكرة «العروبة» -حركة وليس هوية- ولكنها أول أمرها كانت فقط تدعو كجماعة العهد، وحزب اللامركزية إلى ولايات ذات حكم ذاتي في إطار الإمبراطورية إذا ما قدر لعلمِها أن يظل مرفوعاً.
لكن سقوط عبد الحميد من جهة وسيطرة الاتحاد والترقي بطورانيته من جهة أخرى قد دفع بفكرة «العروبة» إلى الواجهة باعتبارها قومية هي الأخرى من حقها أن تستقل وأن تتوحد.
وبهذا استضافت الساحة الفكرية تياراً جديداً وفتياً هو تيار العروبة الذي انطلق بشكل رئيسي من الشام وربما كانت المذبحة التي قام بها جمال باشا -على اختلاف المواقف منها- هي الفاصلة بين عهدين: عهد التفكير في اللامركزية وعهد التفكير في الاستقلال وقيام الدولة العربية الواحدة المستقلة.
هكذا إذن جاءت سنة 1909م. أي بداية القرن العشرين والمجتمعات حبلى بهذه الأفكار والاتجاهات والدعوات التي تحرك الأحداث:
- فكرة الجامعة الإسلامية
- فكرة التجديد والتحديث و(الإصلاح)
- فكرة التقليد والجمود
- فكرة التغريب
- فكرة العروبة.
ولأننا في مركز الحوار العربي؛ فإننا نقصر هذه التأملات أو المراجعات على المنطقة العربية هذه. على أن ما سبق إليه القول يشمل - بطريقة أو بأخرى- العالم الإسلامي، إلا أن النظر يتركز هنا على العالم العربي بشكل رئيسي.!
على الصعيد العربي هذا، نتج عن عملية التتريك - كما سبق- حركة «التعريب» إذا صح التعبير؛ ولأن ذلك قد نشأ في المناخ الحي لحركة الإصلاح والتجديد، فقد اتسم بكثير من خصائصها حيث وحدت «الفكرة» -التي تحولت إلى حركة- بين طوائف الأمة، وأديانها، ونمت ثقافة فاعلة حية اعتبرت الإسلام عاملها الموحد، وحاضنها الحضاري، وتاريخها المشترك وثقافتها الجامعة.. ولكل صاحب دين معتقده، وخصوصيته، وحريته،  وحقوقه باعتبار ذلك من مقومات الحضارة الواحدة التي كانت نتاج عبقرية جميع أبنائها على نحو فذ ومتميز في التاريخ.!
وقد أبدع الزعيم القبطي الشهير مكرم عبيد صياغة ذلك المفهوم في «صيغة» دقيقة عبرت عنها مقولته الذائعة الصيت: «أنا قبطي – مسيحي- حضارتي -أو حضارته-الإسلام» وعلى هذا النهج سار رعيل رائد كفارس الخوري في الشام ومفكرون بارزون كقسطنطين زريق ومارون عبود وأمين نخلة وعشرات غيرهم، ولا أهمية -في الواقع- لمن شذ، وأراد أن يسلخ العروبة عن الإسلام؛ فمن الناحية العملية إنما أراد ذلك من أراد استبدال الأتراك بفرنسا أو غيرها في تبعية حمقى، تحت ثوب طائفي. ويريده اليوم من يريد الانخراط في مساق الاستسلام والتبعية لقوى الهيمنة باسم «الواقعية» المفترى عليها.
والأمثلة على ذلك كله كثيرة جداً ومتعددة.
هكذا أصبح لدى الأمة العربية عشية عام 1909 مشروع نهضة تعبر عنها «أفكار» تشكل عناصر ومقومات حركة فاعلة تعبر عنها لغة استعادت حيويتها وأدبها وشعرها وبلاغتها وقدرتها الهائلة على استيعاب مصادر المعرفة والعلم من أي لغة حية أخرى وشهدت حركة ترجمة نشيطة لأمهات الكتب، من لغات شتى وسطعت في سمائها أسماء لامعة في كل قطر من المفكرين، والعلماء، والشعراء، والمؤرخين، والأدباء مما يذكر بعصر النهضة في أوروبا. وبالمرحلة الأولى من العصر العباسي من تاريخنا.
وقد أدت وفاة الأفغاني وإسقاط عبد الحميد إلى تداعي تيار الجامعة الإسلامية، وظلت الفكرة ذاتها كامنة مستقرة في ضمير الأمة المسلمة تبحث عن «صيغة» أخرى، حاول إمام القانون– الفقيه- الدستوري في هذا العصر عبدا لرزاق السنهوري أن يحييها ويقترحها في كتابه الهام عن الخلافة.
كذلك أدت نتائج الحرب العالمية الأولى إلى سقوط الخلافة العثمانية وبذلك غابت نهائياً فكرة الجامعة الإسلامية في صيغتها العثمانية.
وكذلك سقط -بعد الحرب- مشروع « الاستقلال العربي والدولة الواحدة»؛ فإن الثورة العربية الكبرى -كما تسمى- التي عبرت عن ذلك المشروع قد قامت على خطأ وانتهت بخدعة إذ أنها انطلقت ناقصة (لاستثناء مصر، اليمن، المغرب العربي) معتمدة على «وعود» من بريطانيا مقابل الانضمام إليها. في الحرب ما لبثت أن نكثت بها وتخلت عنها، عقب انتصارها. وليس ذلك فحسب بل أعملت شفرة الجزار في أوصال الأمة الموعودة بالاستقلال في الوحدة ومزقتها بدداً وتقاسمتها مع حليفتها فرنسا كما هو معروف.
انتهى إذن «المشروع» نهاية مأساوية على يد الحليف البريطاني الخادع. الذي نكث بكل عهد ووعد ليجد «المخدوع « نفسه ليس مستقلاً من أتراك الاتحاد والترقي.. ولكن فريسة في براثن الاستعمار البريطاني الفرنسي.. أوصالاً ممزقة وتراثاً مستباحاً.
نعم لقد سقط مشروع الدولة العربية الواحدة المستقلة في صيغته تلك. ولكن «الفكرة» ذاتها لم تسقط، و«الهدف» عينه لم يغب عن ضمير العالم العربي ولا عن وعيه.
ولقد تقاسمت القوى المنتصرة «بريطانيا وفرنسا» العالم العربي، وحولته إلى دويلات مستعمرة وجزأته إلى أوصال أقامت بينها حدوداً مفتعلة باذرة بذلك بذور»قُطرية» سوف تصبح عائقاً مع الزمن ليس للتوحد -من جديد- فحسب؛ بل وللنهضة نفسها وللتطور المنشود ذاته، ولكنها مع ذلك لم تقض على «الفكرة» لأنها واقع، ولم تلغ السير نحوها لأنها حركة تاريخ، ولم تمحها لأنها تحقيق ذات، ولم تتغلب عليها لأنها ثقافة.
فقد استمرت فكرة «التجديد والإصلاح» سارية في كل قطر تواجهها قوى «التقليد» -بالمعنى الذي شرحناه- واستمرت «فكرة» العروبة تواصل انطلاقها -داخل العقول والنفوس- موجدة تيار لا يقاوم لتحقيق «الوحدة» وإنجاز المستقبل..
وبجانب هذه التيارات الثلاثة ظلت فكرة «التغريب» موجودة تحاول أن تجد لها مكاناً، لم يتوفر مدعومة بثقافة مبتورة وهيمنة استعمارية، معززة لفكرة الوطنية القائمة على التجزئة وحين أصاب الفشل القوى الخارجية عمدت إلى سياسة الاحتواء بتبني شعارات تلك الدعوات بهدف القضاء عليها، وفرض ما تريده من وراء ذلك بالقوة  وكانت الوسيلة المثلى لذلك هي الانقلابات العسكرية.!
ولنا أن نرى -رغم كل تلك العوائق- اجتماع عناصر بوادر نهضة حقيقية، قوامها الحرية، والتحرر والعدل والمساواة والتقدم في إطار وحدة تحقق ذلك وتكفل حمايته.
وثمة فارقٌ – كما يقول زكي نجيب – بين الحرية والتحرر.
التحرر، ليس هو الحرية. التحرر هو تحرر من شيء ما: فكري أو ظلم أو استعمار الخ.. وهو بهذا المعنى- هدف سلبي على نحو ما- أما الحرية فهي فعل: هي ممارسة لإرادة قادرة متحررة ومريدة وواعية للفعل على صعيد «الفكر» و»الواقع» معاً. وهي بذلك هدف ايجابي. الحرية تتضمن «التحرر» بالضرورة. والعكس غير صحيح. وهذا التمييز مهم جداً لكي نفهم -إذا فهمنا- أننا قد تحررنا من الاستعمار ولكننا لم نمتلك الحرية بعد. ولهذا ظللنا –ومازلنا- واقعياً حيث أراد ويريد لنا الاستعمار، ليس فقط ببقائنا دويلات متناقضة، وحدوداً مصطنعة همها الحفاظ عليها تنفيذاً لسياسته ولكن أيضا حفاظاً على مصالحه على حساب المصالح الذاتية لكل قطر من هذه الأقطار المجزّأة!
الحق أننا تحررنا من الاستعمار نعم! ولكن وقعنا في «العبودية» تحت نير التبعية!.
وإذ نعود إلى ذلك «المشروع» الذي تكامل في وعى الناس وشعورهم، وأتضح نظريا، وافتقر إلى وسائله عملياً؛ فإننا نجد أنه -رغم كل ما اعتوره من عوائق وصعوبات- قد أنتج:
‌أ- حركات التحرر من الاستعمار (الخطابي، المختار، السنوسي، ثورة 1919م في مصر، المهدي في السودان، واليمن الذي سجل أول ثورة دستورية داخلية ضد التخلف عام 1948م الخ).
‌ب-  انطلاق الدعوات من أجل التغيير الاجتماعي -على نسب مختلفة- نشداناً للعدالة الاجتماعية..
‌ج- ارتفاع وتيرة الحريات السياسية، والفكرية، واتساع مساحتها في تطور مستمر قد يتعثر.. ولكنه كان ينهض مواصلاً سيره على المستوى الفكري يكفي للدلالة عليه مثل واحد هو أن كاتباً هو إسماعيل أدهم  كتب كتاباً نشره على الناس عنوانه لماذا أنا ملحد داعياً إلى الإلحاد، فلم يكن رد الفعل سوى ردود فكرية تجادل بالتي هي أحسن في طليعتها رد عالم جليل هو محمد فريد وجدي بكتاب عنوانه «لماذا هو ملحد؟» جادله فأحسن الجدال ورد عليه فأحكم الرد وحاجه فأبلغ الحجة، وذهب «محمد فريد وجدي» في رسالته «لماذا هو ملحد؟» أن النزعة الإلحادية التي تبناها الدكتور إسماعيل أدهم ليست بالأمر الجديد على الفكر الإسلامي ولا ينبغي على المسلمين أن يضيقوا بها، فقد واجه الإسلام منذ ظهوره الزنادقة والملاحدة وانتصر عليهم بالحجة والبرهان،  ورد عليه آخرون كثر منهم أحمد زكي أبو شادي في رسالة سماها «لماذا أنا مؤمن؟» أفاد الناس من هذه الردود إضعاف ما تضرروا من ذلك الكتاب.. هذا إذا كان قد أحدث أثراً لم تبق منه باقية ودل ذلك على ثقة بالنفس وإعمال للعقل ويقين في الدين، ومن أراد أن يتابع ذلك فسيجد بعضه في أعداد مجلة الرسالة الوقورة أهم مجلة أدبية فكرية عربية عبرت عن النهضة الأدبية .
وعلى المستوى السياسي -وإذا شئت الديمقراطي- تكونت مؤسسات المجتمع المدني من أحزاب، وجمعيات، ومؤسسات، وهيئات، ونقابات الخ وحرية صحافة واسعة، وقيام حكومات منتخبة ومجالس نيابية فاعلة على ما بها من نواقص كان يفترض أن تستكمل بالاستمرار والتجارب وانتشار الوعي والتعليم.
وعلى المستوى الاقتصادي: بداية توظيف التراكم للثروة في إنشاء صناعات طموحة من صناعة العطور والنسيج إلى الحديد والصلب بما يحمل ذلك ما نتائج، ونشوء أول بنك وطني ضخم في مصر غير مرتهن لبنوك أجنبية تلته مؤسسات وبنوك أخرى في أكثر من قطر تدعم تلك البدايات.
وفي ذلك الجو تنامت دعوة «الوحدة العربية» بين الشعوب التي لم تعترف بالتجزئة المفتعلة بقوة الخارج، على نحو ضاغط على الحكومات بقوة جعلها ترفع الشعار ذاته وإن لم تعمل له إلا بشكل اختزالي باهت (ومثاله الجامعة العربية) تعبيراً و استجابة رسمية لمطلب شعبي أو ربما محاولة إسكات له!!
لقد أصبحت «الثقافة» ثقافة نهضة حقيقة في مرحلة «ليبرالية» وأصبحت الجامعات الناشئة في مصر خاصة وسوريا والعراق مؤسسات علم حقيقية وأصبح الفن كما الأدب والشعر يوحد الأمة من الخليج إلى المحيط. وأصبحت مطالب الحرية، والعدالة، والوحدة هي في الواقع الشعارات المرفوعة تعبيراً عن الواقع القائم الذي ينشد طلابه من جبال اليمن النائية إلى شواطئ طنجة.
بلاد العرب أوطاني
 من الشام لبغـــــدان
ومن نجد إلى يمــن
 إلى مصر فتطوانــي
وشهدت هذه الفترة نهضة أدبية وفكرية رائعة حقاً وازدهرت فيها اللغة وآدابها شعراً ونثراً ومسرحاً وموسيقى وأمتد ذلك إلى المهجر البعيد حيث نقل المهاجرون معهم روح هذه النهضة وأبدعوا أدباً رائعاً أثر في مجرى الأدب العام وتأثر به وأصبحت «الرابطة القلمية» واحدة من المؤسسات التي أثرت الأدب وأثرت في الوطن الأم وفي وطن المهجر على حد سواء.
واستمرت القافلة تسير.
وليسم هذا العهد: عهداً ليبرالياً، أو شبه ليبرالي بما له وما عليه إلا أنه قد أنتج ذلك كله.
كان هناك فساد داخلي كبير. نعم! وكان هناك تخريب وهيمنة ونهب خارجي للثروات. نعم! ولكن كان هناك نصيب من «حرية» كفلت للمجتمع التحرك في الاتجاهات المشار إليها جميعاً، دفعت بالسير قدماً على الطريق المؤدي إلى النهضة الشاملة واستئناف الدور الحضاري المنشود والمرصود.
وهنا حدثت الكارثة..
وضعت الحاضنة الاستعمارية -قيصرياً- إسرائيل الصهيونية.
وابتدأت بذلك عام 1948م مرحلة جديدة من التاريخ من تلك المراحل الحاسمة التي يؤرخ لها بما قبل وما بعد، بدأت بما أعتبر رد فعل للهزيمة المدوية التي حملت جريرتها على فساد الأنظمة وقوى الاستعمار؛ فتتابعت الانقلابات العسكرية بدعوى القضاء على الفساد، بإزالة الحكام، والقضاء على التخلف بتحقيق التقدم، وإنهاء التجزئة بإقامة الوحدة، وبالهدف الأساسي الذي قامت –الانقلابات – من أجله وهو تحرير الأرض المغتصبة.
ولأن مطالب التحرر، والوحدة، والحرية، والعدالة، والتقدم، كانت ملء العقول والقلوب المحركة للرأي العام فإن رفع الحكام الجدد لراياتها قد دفع هذه الجماهير المشتعلة حماساً لها للتهليل لهم والالتفاف حولهم.
ومن أجل ذلك ضحت الأمة بحريتها وحقوقها على أمل التحرير ومن ثم تحقيق تلك الأهداف؛ لكن الحكام الجدد من العسكر إنما رفعوا الشعارات ليكسبوا بها الجماهير وأفرغوها من مضامينها ليكسبوا استمراريتهم في الحكم فصودرت الحريات التي كانت مكفولة بدلاً من أن تتسع بدعوى لا صوت يعلو على صوت المعركة، وأممت الصناعات والمؤسسات الاقتصادية لتمويل الحكم وضمان استمراره بالسيطرة عليه، لا للتنمية وتطوير الاقتصاد تحقيقاً للعدل.. وذلك بدعوى العدالة.
وصحيح أن عدد المتعلمين قد ازداد، وأن خريطة التعليم قد اتسعت ولكن العلم ذاته قد أنكمش، لقد ازداد عدد الذين يقرؤون، ولكن انحسر عدد الذين يفهمون، لقد أزداد الكم، ونقص النوع، لقد تراجع «الوعي» فأصيب الرأي العام «بسكتة» الهمود!
ويتضح من ذلك كيف كانت الانقلابات هذه قطعاً للتطور الطبيعي الذي كان يفرض نفسه، كادحا إلى أهدافه كدحاً غير يسير. وسواء صدقت نظرية المؤامرة أم كذبت، فإن النتيجة خدمت العدو، ولم تخدم الأمة.
وفي غياب الحرية:
أولاً : تراجعت حرية الفكر كما تراجعت نوعية التعليم.
وثانياً: غابت المؤسسات الديمقراطية وهيئات المجتمع المدني لتحل «أجهزة» المخابرات، وإذا كانت الشعارات التي رفعت صحيحة، وهي كذلك فإن تطبيقاتها قد كانت على العكس تماماً.
وثالثاً: أفضى ذلك إلى حدوث فراغ.. لئن ملأه حيناً – في الخمسينيات- المشروع الوحدوي الذي وحّد مشاعر الأمة؛ فقد أفرغه الاعتماد الكلّي على أجهزة المخابرات لا المؤسسات الديمقراطية حتى أسلمه ذلك إلى الانهيار وغدت القضايا كلها متعلقة بقضية «الحكم» وأضحى معنى الحكم محصوراً في «الحاكم» ومسألة استمراره حاكماً. وبذلك أنفصل الحكم عن المجتمع، ودب الفساد إلى المؤسسات السياسية وإلى المؤسسات العسكرية نفسها بدخول قادتها لعبة الصراع في أروقة السياسية والاقتصاد دون دراية فأضاعوا السياسة والاقتصاد وأضاعوا الجيش في وقت واحد، وهكذا ضاع الرعيل كما يقول الشاعر ومن يقوده!
ويمكن –الآن- اعتبار هزيمة 1967م نتيجة متوقعة بل ولازبة لذلك كله، وحداً فاصلا ومهما بدأت به مرحلة جديدة أخرى يصطرع فيها عاملا السلب والإيجاب على نحو واضح.
فأما سلبياً: فقد سادت روح الهزيمة – كما أريد لها- فأنتجت «ثقافة الواقعية»!! التي هي في حقيقة الأمر ثقافة الاستسلام متلبسة دثار «الواقعية» التي ليست سوى التسليم بمنطق الهزيمة، والاستسلام لنتائجها ومن ثم القبول بالأمر الواقع وليس تغييره، والهرب من تبعات ذلك – التغيير- وتداعياته إلى الاحتماء بالخارج تحت مظلة الهيمنة الفجة التي أسفرت عن وجهها.
وقد بلغ هذا الاتجاه أفدح تجلياته العملية باتفاق «كامب ديفيد» وما نتج عنه من اتفاقات علنية أو سرية حتى كارثة «أوسلو» وما ترتب عليها من نتائج ذات خطر بعيد حوّلت «المقاوم» إلى «مفاوض» بلا حصانة يقدم التنازل بعد الآخر حتى لم يعد لديه ما يتنازل عنه دون أن يكسب شيئاً.
- استسلام «النظام العربي» لمشروع الهيمنة بدلاً من «التحرير» وشهدت الساحة هرولة بعض هذه الأنظمة نحو التطبيع مقابل لا شيء إلا أن يكون قبول «العدو» لهذه الهرولة لصالح مشروع المنتصر على «المهزوم» وليس على «المقاوم».
- سيادة روح القطرية في مواجهة مفهوم الأمة العربية أو الإسلامية وتعزيز هذه الروح القطرية على المستوى السياسي والثقافي والإعلامي، وحتى التعليمي، وتعزيز «ثقافة»  مغايرة للثقافة السابقة يعززها نوع من حكم يجد بقاءه مرهوناً بهذه القطرية. ومصالحه مرهونة باستمرارها، واستمرارها مرهونا بمحاربة أي مشروع يدعو إلى أمر جامع يحقق وحدة الأمة على أساس من مبادئ حركة النهضة والإصلاح..
- غياب الحرية أيضاً أدى إلى تغّول الديكتاتورية في أبشع صورها؛ فضاعت حقوق «المواطن» باسم الوطن الذي اختزل في شخص «الحاكم» أيا كان، وأهدرت حقوق الإنسان والإنسان نفسه، فأصبح «رقماً» مهملاً تنهكه الحاجة ويسحقه الفقر، وتعبث به رياح الجهل والتجهيل وتعصف به عواصف الظلم والاستبداد..
وأدى الاعتماد فقط على أجهزة المخابرات وقوى القمع إلى تصفية الفكر وإخماد العقل، وانحسار تيار التجديد والتحديث والاجتهاد، بل وتيار التغريب – على نحو ما- بحيث لم يبق منه إلا دعوى «العلمانية» المفترى عليها؛ فخلى – بذلك كله- الجو لتيار التقليد الذي – ذكرنا آنفاً- لكي يبيض ويصفر وينقّر ما شاء له أن ينقّر فإذا بنا نعود إلى حيث بدأنا حيث أنشد المتنبي قبل أكثر من ألف سنة:
أغاية الدين أن تحفوا شواربكم
يا أمة ضحكت من جهلها الأممُ؟
*     *      *
وفي مواجهة قوى التقليد هذه عاد تيار التغريب مستمداً من ذلك الدليل على ضرورة القطع مع الماضي كله، ومعززاً دعوى الواقعية التي ليست واقعاً بمبررات الهزيمة، مكرراً محاولات فكرية قديمة ثبت فشلها خلاصتها المناداة بالقطع مع الماضي جملة، أي مع التاريخ، كما عمل الغرب فيما يظنون، وهذا جهل بقصة الحداثة في أوروبا، وبقصة التحديث في العالم الإسلامي معاً؛ وجهل بالتاريخ في كلا الحالين!
فأوروبا حين قطعت، إنما قطعت مع الكنيسة الكاثوليكية وتراثها الإمبراطوري. من أجل التحرر الفكري والعلمي ثم السياسي من سيطرتها. وهي لم تقطع بادئ الأمر مع المسيحية نفسها فإن ثورة الإصلاح البروتستانتية هي التي بدأت ومهدت- ضمن عوامل أخرى-  لحركة النهضة (Renaissance) وما تلاها بعد ذلك من تطور على طريق الحداثة التي بدأها بالعودة –بقوة- إلى تراثه الإغريقي اليوناني الروماني يحييه ويستنطقه ويستوحيه ويبني عليه ويتجاوزه وقد كان اتصاله بالحضارة الإسلامية هو النور الذي سار في هديه، وتمكن من خلاله من قراءة ذلك التراث من جهة واكتساب المنهج العلمي التجريبي من جهة أخرى.
ولقد نرى في ذلك بعض أوجه الشبه في قصتي الحداثة في أوروبا، والتحديث في العالم الإسلامي الذي يريد المقلدون التغريبيون تجاهله. أوهم يجهلونه أصلاً لأنهم مطلعون فقط على تاريخ الغرب الأوروبي ويريدون تعميم تجاربه على كل المجتمعات وذلك مناقض للعلم نفسه الذي يرفعون عقيرته!
فإذا أرادوا المقارنة فليتحروا وجه هذه المقارنة على حقيقتها، فإذا كانت الحداثة الأوروبية قد استهلت خطواتها الأولى بعملية إصلاح ديني. وحركة تحرر علمي وفكري من جهة ودعوة إلى تراثها الإغريقي الروماني من جهة أخرى، وهذان أمران لا جدال فيهما، ومتأثرة بالحضارة التي كانت سائدة، وهي الإسلامية.
فلماذا لا يسيرون بالمنطق إلى نتيجته؟
فيمَ إذن إنكار أن تبدأ الحداثة في العالم الإسلامي بعملية إصلاح ديني وحركة تحرر فكري وعلمي وعقلي من ربقة عصور الانحطاط وعودة إلى تراثه الحضاري الإسلامي يحييه ويستنطقه ويستوحيه – وهو ما بدأه الأفغاني وعبده ومدرستهما- من جهة متأثراً بالحضارة السائدة في استجابة حية لتحديها من جهة أخرى؟
نعم! فيم إذن الإصرار على القطيعة هنا بدعوى القطيعة هناك. ولا قطع هناك ولا قطيعة كما رأينا؟ إن القطع هنا هو قطع مع إمكانية النهضة ومقومات الحداثة الحقة. وتلك آفة التقليد!
وهكذا يصبح التقليد الأعمى ضغثاً على آباله! وبين التقليد الماضوي لعصور الانحطاط، والتقليد المنقوص للتجربة الأوروبية– التغريب- فيما انتهت إليه دون أخذ لمقوماتها وأصولها وتطورها التاريخي تضل قافلة النهضة طريقها المستقيم.
أما من الناحية الإيجابية فقد أيقظت الهزيمة في ذات الوقت روح الأمة، واستنفرت قواها، واستثارت إرادتها وعزيمتها،واستنفرت كرامتها وأشعلت بذلك روح المقاومة والتحدي، وحررتها من عقدة الخوف وأطلقت قواها المكبوتة، وكان من الطبيعي أن ينتج كل ذلك ثقافة المقاومة التي تعني عدم الاستسلام لمنطق الهزيمة باسم الواقعية. بل الوعي بمعرفة أسبابها وبإرادة التغلب عليها؛ فإن الواقعية هي تغيير «الواقع» المهزوم بتغيير مقوماته لا الاستسلام له أو القبول به. وإن تغيير هذا الواقع منوط بإرادة الأمة، وحرية شعوبها واستقلال قرارها واضطلاعها أو اشتراكها على الأقل في اتخاذ هذا القرار!
وقد تتابعت خطوات هذا الاتجاه في طريق صاعد ابتداءً من رفض نتائج الهزيمة، بفهم أسبابها، ومن ثم رفض الاستسلام والاستعداد والإعداد للتحرير عملياً وقد تجلت أولى هذه الخطوات في قرارات و»لاءات» مؤتمر القمة في الخرطوم ثم في حرب الاستنزاف التي شنتها وصبرت عليها بقوة مصر الدولة والشعب بتأييد عربي فعال.
ثم انطلاق المقاومة الفلسطينية التي حظيت بالتأييد والاحتضان العربي والإسلامي والتأييد والتعاطف الإنساني باعتبارها حركة تحرير من أعدل وأبرز حركات التحرير ثم توّجت تلك المواقف بحرب رمضان أكتوبر المجيدة.
وبالرغم مما حدث بعدها من انكسارات وتراجع عن الخطى المتقدمة التي أحرزتها إلا أن ذلك قد تم على مستوى بعض الأنظمة أولاً بينما استمرت المجتمعات في سيرها الرشيد وتطلعاتها الحافزة.
فقد أحدث ذلك الانكسار الذي أعقب ذلك الانتصار بما تم من «تفاوض» أسفر عن نتائج لا تتفق إن لم تتناقض مع نتائجه ارتفاعاً حادا لنبرة «الواقعية» المغلوطة تعزيزاً لثقافة الهزيمة وترويجا لها تسهيلاً وتبريراً لسياسة الاستسلام للهيمنة والتطبيع مع العدو.
لكن الشعوب العربية ردت على ذلك بالانفصال والابتعاد شيئاً فشيئاً عن حكوماتها، واعتصمت بعقيدتها و مذخور قواها واستعادت – على نحو ما – زمام المبادرة.
وهكذا شهدنا المقاومة في لبنان تحقق الانتصار تلو الانتصار، معززة بذلك ثقافة المقاومة، مبرهنة على صوابها رافضة منطق الهزيمة ومنطق الإرهاب معاً، وبذلك استيقظت وأحيت أفضل ما في الشعوب العربية والإسلامية من قوى مذخورة منحتها التأييد والتعاطف.. وشجعتها على الأسوة والاقتداء!
ثم حققت المقاومة الفلسطينية التي رفضت نتائج أسلو واتفاقاتها انتصاراتها بثباتها المعجز في غزة الصامدة أولاً ثم بانتصارها المذهل ثانياً محققة بذلك الانتصار الحاسم لثقافة ومنطق المقاومة!
هكذا إذن يطل علينا عام 2006م والمجتمعات تئن تحت وطأة الأفكار، والممارسات والتيارات الأساسية التي نمت في ظل الديكتاتورية في جانب،وتفيق،وتستيقظ، وتتوثب وتستشرف بناء واقع جديد في ظل حركة الاستجابة الحية لتحدي الهزيمة والهيمنة، في جانب آخر.
نعود فنلخص ملامح الجانب السلبي الأول في:
‌أ- إشاعة ثقافة الهزيمة والاستسلام على المستوى السياسي بدعوى الواقعية، واتساع مساحة الفقر والتفاوت على المستوى الاجتماعي باسم الانفتاح أو حرية السوق، وهبوط مستوى التعليم والثقافة لاستئثار العامل السياسي -الذي أصبح فقط الحفاظ على الحكم- على كل ما عداه.
‌ب- تعزيز مفهوم الدولة القطرية لتعميق التجزئة التي يتم بها تفتيتت القضايا الكبرى حيث أصبحت الأمة الواحدة أوطاناً، والمجتمع داخل الوطن نفسه مجتمعات.
‌ج- غياب «المشروع الجامع» داخل الوطن الواحد وداخل الأمة بحيث أحيا ذلك أو استحيا الانتماءات الصغيرة المختلفة قبلية وعشائرية وأسرية وقروية الخ، ومن ثم أمكن ويمكن تفجير الصراعات داخل كل مجتمع على أي أساس من هذه الأسس المفتعلة كما نشهد بأم العين في أكثر من بلد.
وربما كان أبرز وأوضح مثل على ذلك هو ما آلت إليه قضية الأمة المركزية أي الفلسطينية بجعلها قضية تخص الفلسطينيين لينفض العرب أيديهم منها– وهيهات-ولتتابع حبات العقد في التناثر فتصبح القضية قضية فصائل تتعامل إسرائيل أو تحاول مع كل فصيل على حده مستفردة بكل فصيل مستبيحة الجميع على مشهد من العرب والمسلمين والعالم أجمع.
‌د- انتعاش مدرسة «التقليد» الفقهية الجامدة على مستوى العقيدة والتاريخ باسم «السلفية» المختطفة ومن ثم انفجار تيار العنف الفوضوي الذي يضر ولا ينفع، ويسيء وهو يحسب أنه يحسن صنعا، ويسهم بشكل فعال في تمزيق الممزق من المجتمعات.
هـ - استدعاء دعوة التقليد الأعمى للتجربة الغربية إرفاداً لثقافة الهزيمة وإفراغ الذات من كل مقوماتها ومضامينها الايجابية والسلبية معاً حتى تتقبل كل ما يراد إمدادها أو ملؤها به.
وكلا دعوتي التقليد هاتين هما وجه واحد في النتيجة العملية للبؤس العقائدي والفلسفي والفكري الذي يشكل عقبة في وجه النهضة.. ولكن أياً كانت المحاولة لا يحول دونها.
أما الجانب الآخر الايجابي الذي نختتم به أو تقف عنده هذه الخواطر والأفكار، فإنها تقوم على اعتبار أن ما جرى ويجري اليوم إنما هو محصلة لمجمل تلك الأفكار والتيارات والأحداث التي مررنا على بعضها آنفاً، وأن المستقبل – كما نرجو بإذن الله تعالى– إنما يتكون في رحم الأفكار والتيارات الأخرى التي تعبر عن حقيقة الأمة وتتجلى في:
1. استعادة واستئناف تيار الإصلاح وإحيائه أي استعادة منهجيته وعقلانيته وعلميته واجتهاده الفكري والفقهي وهو الآن يأخذ سبيله بقوة على أسنة أقلام ساطعة وبألسنة علماء ومفكرين نابهين يعيدون الروح لحركة النهضة والإصلاح التقدمية والوعي لمنهجيته، والبناء عليه والتجاوز له، وأحسب هؤلاء وإن لم تتح لهم المجالات. هم الأكثر بين مجموع المفكرين.
2. إشعاع ثقافة المقاومة انطلاقاً من واقعها المشرف على الأرض، وتعبيرها عن إرادة الأمة وحاجتها. وواضح أيضاً أن الأغلبية من ذوي الفكر غير المهجن. هم في هذا المربع، وأن معظم الأقلام غير المرتهنة هي في هذا الاتجاه، بالإضافة إلى كونه اتجاه أغلبية الجمهور.
3. بداية عودة الثقة بالنفس إلى الشارع العربي الذي بدأ يأخذ زمام المبادرة  – ولو بشكل بطيء  رغم ظروفه القاسية- من أيدي الأنظمة التي اضطهدته، وضللته وسامته أنواع البلاء.
إن هذا مع عوامل أخرى تعمل في محيط العالم العربي والإسلامي وفيما حوله وفي العالم تتهيأ لميلاد صور أخرى لأمة نفض جمهورها الخوف من حكامه ومن أعدائه وتهيأ لاستلام مقاليده.
قد يكون الطريق صعباً وطويلاً وعسيرا. بل هو كذلك ولكن تلك مؤشرات التاريخ الذي تحركه سنن الله في الكون وفي المجتمعات.
وإذا كان تيار الهزيمة وثقافتها قد أخذ مداه فإن تيار المقاومة وثقافتها قد ولد وشب عن الطوق..
وأخيراً ليس هنالك وجه شبه بين 1909م و 2009م ووجه الاختلاف أن النتائج التي كانت واعدة عام 1909 قد انتهى بها المطاف للأسباب التي ذكرت آنفاً إلى خيبة مريرة كونت كثيراً من العوامل والأفكار والأحداث التي شكلت الوجه الكئيب لعام 2009م ولكن هذه الأحداث السلبية هي نفسها التي استفزت قوة التحدي لدى أمة لم تمت فاستجمعت قواها أو هي بدأت تستجمعها، وحشدت عزائمها أو هي بدأت تستجمعها في طريقها إلى استعادة الزمام بأيدي جماهيرها التي بدأت تأخذ مواقعها الطبيعية وإني لآمل– نتيجة استقراء لمعطيات التاريخ- أن النتائج رغم قساوة الظروف، وتراكم المعوقات، ستكون على العكس مما توحي به النظرة العجلى لظاهرة المعطيات.
اجتمعت في 1909 مقومات نتائج واعدة فانتهت إلى خيبة مرة.
وتجتمع في عام 2009 مقومات خيبة، لكنها بحكم الاستجابة الحية للتحدي تؤذن بفجر واعد لعصر جديد وذلك لأسباب موضوعية لا تعبر عنها الأوضاع القائمة التي هي نتاج المرحلة المنصرمة، ولكن حركة الطلائع التي ستصنع المرحلة القادمة بتوفيق الله سبحانه.
و أياً كان: دعونا نردد مع الشاعر:
منى إن تكن حقاً تكن أحسن المنى
وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
وتلك الأيام يداولها الله بين الناس  و فوق كل ذي علم عليم .
_________________________
الهوامش:
1- كاتب كبير؛ مفكر؛ أديب؛ شاعر سياسي له عدة أبحاث في السياسة والاقتصاد والاجتماع.
2- بالمعنى كما ورد في مذكراته منقولاً من الذاكرة
3- ياسر حجازي.
islamonline.net/servlet/Satellite
4- عندما طلب مني أخي الأستاذ صبحي إحياء هذه الليلة بـ «مراجعات وتأملات فكرية» لقرن مضى في مستهل قرن أطل- لم تكن الأحداث المحزنة الموجعة  للعدوان الصهيوني البربري الغاشم على غزة قد حدثت.. بما أسفرت عنه من مواقف مخزية ومحزنة للأنظمة،

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn
تم قراءته 95369 مره

وسائط

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

عنوان موقع صوت الشورى

 صنعاء - شارع العدل  تقاطع شارع الزراعة
أمام محكمة بني الحارث ، جوار قاعة ابن الأمير

البريد الإلكتروني:
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هاتف:

967-777597797+
226773 -1- 967 +
فاكس:
564166 -1- 967 +

هيئة تحرير الموقع

رئيس التحرير

خالد حميد الشريف

المحررون

إبراهيم الحبيشي        محمد المطاع

ألطاف عبد الله        نجوى فؤاد سعيد

محمد الزرقة

تسجيل دخول المدير

تسجيل دخول المحررين