آخر الأخبار

الإثنين, 05 تموز/يوليو 2021 18:29

حكاية ألف سين وجيم مميز

كتبته 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

بقلم د / عائشة المزيجي

 

اصطادني موقف, وأنا في طريقي إلى مكان عملي, أتأمل فضاء صف من طلبة المرحلة الثانوية, تتأمل رؤيتي امتداد شبابهم إلى الأمام, أستشف ذلك من خلال ما بأيديهم من ألوان وأشكال كتبهم وأوراقهم المرتبة وغير المرتبة لدى البعض الأشعث الأغبر, أراه يلف نهاية إحدى أوراقه بيده, ويدببها, لينظف بها ما تراكم  بين أسنانه العليا والسفلية من أوساخ طعامه. أتصور موقع هذا الطالب في المستقبل !!

        أسمع قهقهات الطلاب, ينشرونها, وهم يتداولون توقعاتهم في مستوى ما سيلتقون به من الأسئلة بعد لحظات, تمثل عصارة جهد عام كامل.

        أجزم أن البعض يعرف أين تسير خطاه, والكثير أمامي لم يخطط لسؤال من وكيف سيكون مستقبله ؟ , وقد اتخذ نهج وعادة أبيه ومن سبقه, الذين يرون التعلم والتعليم من كماليات الحياة, إن وجد فحظ وفرصة, وإلا فالسباق وراء لقمة العيش دون تعلم, ومحافظة البعض الآخر على الرتبة الاجتماعية, وأموالهم الطائلة الموروثة هو عين الصواب.

        أعين طلاب أراها تتوزع بين أوراق لم يجتمعوا بها إلا ليلة البارحة, فهمهم الوحيد الحصول على شهادة الثانوية وصولا إلى صورة شهادة جامعية, تمكنه من الدخول في إحدى الهيئات الخاصة أو العامة وصولاً إلى راتب معيشي ورتبة وظيفية, ليس قوامها العلم. لم تراوده ـ البتة ـ فكرة كيف سيصل إليها, وإن آتته الفكرة, سيقطع حبل آمله في لحظتها, وهو يعدد ما سيقف أمامه، وسيواجه من شدة حياة لا تعرف معنى أن الشباب أجنحة المستقبل.

         أتأمل وجوه صف الطلبة, بعضهم يستند على جدار المدرسة الطويل من الخارج, يخبر مظهرهم الخارجي عن نوعهم الاجتماعي, وغايتهم من الثانوية إن كانت لهم غاية !

        وصل أحد الطلبة بسيارته, وقد ترك بابها دون تأمين, يستعرض الاهتمام بهذا اليوم, تتطاير روائح العطر من بين جوانبه, وقد خلت يده من سبب قدومه ( قلمه).

         وآخر أراه متئكاً على إحدى ركبتي زميله, يجمع ببصره وسمعه ما استطاع من حصيلة مذاكرة زميله, وليدة فجر يومه. يبدو غياب ألوان ثيابه التي تحكي عدم خلعه إياها طيلة أيامه الماضية, لانشغاله بتكاليف مفرطة موكلة إليه من أبويه فترة الامتحانات فقط, والعجيب عدم وجود مثل هذه التكاليف في غير وقت الامتحان.

        وأمامي ذاك الطالب ذو الوجه النحيل والعيون الصغيرة, باهت البشرة, تتشرب عيناه بلهفة ما بين يديه من كلمات ملخصه, وكأنه مفارق أهله, تكاد أنفاسه تنقطع حين ينادي حارس المدرسة, ويشير بإذن الدخول إلى لجان الامتحان. تبدو ثياب الطالب مرتبة, لكنها لا تدل على معاصرته ما تلاحق من الموضات السريعة جداً جداً, لا عجب فهو المسافر ذهنياً وحسياً رغبة الوصول إلى أحلامه, وهو يصارع لأجل الحفاظ على كرامة عيشه وأسرته, ونهاية يومه يقضي ليالي الأنس بين مسائل كتبه العلمية والأدبية, ذاك (طالب العلم). قمة تأنقه أن يصفف شعره بمشط فقد أغلب أسنانه, يتأنق أمام مرآة تغيّب ملامح قهر الحياة, بالصدفة كان اختيارأمه لهذه  المرآة.

        أرى أمامي طالب يدور مرات عديدة أمام زملائه, يلاعب بقدميه عدة أحجار بحجم قبضة اليد, يتحرك بهلوانياً, يسرد بسرعة أخبار أصحابه والحارة, وانفصال أخته عن زوجها, وفرار أخيه من معاملة أحد أبويه, يستعرض جولاته البطولية الحقيقية والخيالية تعويضاً عما بداخله. لا يعرف كيف وصل إلى الثانوية, كل ما يعرفه الانتصار والتفنن في الحصول على طرق الغش في مراحل دراسته السابقة. هل يا ترى سيصل؟ وهو يجهل ما يريد؟ 

         فجاءة هذا العام الأسئلة ذات النماذج المتعددة في اللجنة الواحدة, تعد فاصلاً يحدد هوية طالب الثانوية سواء أكان غنياً أم فقيراً أم متوسط الحالة, يهوى التعلم أم يستسيغ التعليم.

        ولكن هل يا ترى يجد الطالب بين أسئلة الامتحانات ما رافقه فترة دراسته ومذاكرته, أم أنه يستلم براءة اختراع, عليه أن يعرف جوانبها, ويستلم مقابل ذلك جائزة طلب العلم.

        هل يعرف مستوى الامتحان أنه بين فروق تحصيل المدارس العامة الحكومية، الغائب معلمها غالبا بين أروقة الحياة, وبين تحصيل طلاب المدارس الخاصة بعد أن احتضنت ما تسرب من معلمي المدارس العامة.

         هل يا ترى ضمائر مراقبي اللجان ــ في مختلف المدارس ــ في عافية من الفساد, لا ينهشون مستقبل وطنهم ويطرحونه أرضاً, وهم يعقدون عقودا مالية باهضة مع المعلمين خارج المدرسة, لتصل الإجابة إلى بعض الطلبة فقط, الذين يبذل أهاليهم  من المال ما يضمن مرور أبنائهم من هذه المرحلة وبكفاءة نادرة.

  كل ذلك على غير مرأى، أوعلى علم ـ لا سمح الله ـ رئيس لجنة الامتحان.

         

الدكتورة/ عائشة عبدالله المزيجي, أستاذة أدب ونقد حديث, (أستاذ مساعد, كلية الآداب, جامعة ذمار)  4/ 7 / 2021م.

 

 

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn
تم قراءته 72 مره

وسائط

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

عنوان موقع صوت الشورى

 صنعاء - شارع العدل  تقاطع شارع الزراعة
أمام محكمة بني الحارث ، جوار قاعة ابن الأمير

البريد الإلكتروني:
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هاتف:

967-777597797+
226773 -1- 967 +
فاكس:
564166 -1- 967 +

هيئة تحرير الموقع

رئيس التحرير

خالد حميد الشريف

المحررون

إبراهيم الحبيشي        محمد المطاع

ألطاف عبد الله        نجوى فؤاد سعيد

محمد الزرقة

تسجيل دخول المدير

تسجيل دخول المحررين