آخر الأخبار

الأربعاء, 09 شباط/فبراير 2011 07:56

البعد السياسي لظاهرة الثقافة السياسية

كتبه 
في أحايين كثيرة تبرز محاولات لربط مفهوم الثقافة السياسية بالإيديولوجيات المنمطة تاريخيا لإضفاء نوع من التوجه الفكري المنحاز على مسارها الطبيعي، وهي عملية غير صحيحة وذلك لأن هذا الربط القسري يحيل الثقافة السياسية كتابع للإيديولوجية ويوقف عملية تطورها، وبالتالي تبدو الثقافة السياسية خارج حدود تعريفها وماهيتها الطبيعيين.
في حين تناولت العديد من الدراسات مفهوم الثقافة السياسية بالتحليل من الناحية النظرية، وتعد الدراسة المعنونة بـ«الثقافة المدنية» من أهم الدراسات النظرية التي عالجت ضعف الثقافة السياسية وانكماشها في بعض المجتمعات وشخصت بموضوعية الوسائل والأساليب الضرورية لفتح الآفاق أمام تطورها، من خلال رصد توجهات الأفراد الأساسية داخل المجتمع إزاء أربعة موضوعات أو محاور هي:
1ـ النظام السياسي بشكل عام.
2ـ النشاط السياسي للمواطنين مثل الترشيح والانتخابات وحضور الندوات والمؤتمرات والانخراط في الأحزاب والنقابات، التي تمثل جانب «المداخلات».
3ـ النشاط الحكومي الذي يشكل جملة من الإجراءات  كتقديم المساعدات الاقتصادية وتنظيم شؤون الأفراد ورعاية مصالحهم، والتي تمثل جانب «المخرجات».
4ـ تصورات أفراد المجتمع عن أنفسهم كمشاركين في العملية السياسية.
وهناك ثلاثة أنواع من  الثقافات السياسية التي تسود المجتمعات البشرية وهي:
1ـ الثقافة السياسية الضعيفة: وتسود هذه الثقافة في المجتمعات التي لا يملك أفرادها الحد الأدنى من المعرفة والقدرة في تحديد موقف إزاء المحاور الأربعة السابقة أو إصدار أحكام ثابتة تجاهها، ويقتصر دورهم على الامتثال للخيارات والمعايير والمواقف التي يحددها النظام السياسي لأنه ليس لديهم أية بدائل أخرى، وهكذا تكون المبادرة دائماً بيد النخبة الحاكمة.
2ـ الثقافة السياسية التابعة: هذه الثقافة تتجسد في المجتمعات التي تعاني من أنظمة حكم دكتاتورية وتسلطية حيث يقل إسهام المواطنين في المدخلات السياسية بالرغم من امتلاكهم معرفة تامة بالنظام السياسي وبمخرجاته وتوجهاته وبقواعد اللعبة السياسية، ويمكن إرجاع سبب التواضع والامتناع عن المشاركة السياسية إلى قناعتهم بعدم جدواها وذلك لغياب الحريات وعدم وجود هامش للديمقراطية.
3ـ الثقافة السياسية المشاركة: إن هذا النمط من الثقافة السياسية نجد تجسيدها في المجتمعات الديمقراطية التي يكون المواطن فيها على معرفة تامة بالنظام السياسي في حركته وتوجهاته ومؤسساته ومدخلاته ومخرجاته، وبالتالي فانه لن يعزف عن المشاركة السياسية، بل بالعكس سيشارك بفاعلية وايجابية في العملية السياسية، واستناداً إلى ذلك سيكون للرأي العام في هذه المجتمعات دور مؤثر سواء من خلال المؤسسات التي تعبر عنه مثل الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني وجماعات الضغط، أو من خلال إجراءات التصويت والترشيح في الانتخابات والندوات والمؤتمرات واستطلاعات الرأي العام.
إن الحديث عن البعد السياسي لظاهرة الثقافة السياسية والأزمات التي تتعرض لها، يجب أن ينفي عن تلك الظاهرة كونها مجرد ظاهرة ثقافية محضة ليس لها علاقة بالأوضاع السياسية لمجتمعاتها، فالواقع أن هناك علاقة جدلية بينها وبين النظام السياسي والمعايير والخيارات التي يضعها هذا النظام والتي تكون ملزمة للمجتمع، وكذلك بينها وبين النخب والقيادات السياسية.
ومن اجل النهوض بمستوى الثقافة السياسية وتوفير مستلزمات تطورها، لابد من اعتماد المسلك التحديثي ـ الإصلاحي الذي ينصب على تحديث مؤسسات المخرجات والمدخلات في آن واحد، وحل أزمات التنمية السياسية، التي تقف عائقاً في طريق تطور الثقافة السياسية، كأزمة الانتماء والهوية، وأزمة التغلغل التي تعني قصور الدولة عن فرض سيطرتها المادية وتطبيق قوانينها في مختلف أنحائها، وأزمة المشاركة السياسية، وأزمة التوزيع، وأزمة الشرعية التي تأتي كمحصلة لمختلفة الأزمات السابقة.
وانطلاقاً مما تقدم فقد تعرضت الثقافة السياسية العربية لازمات متعددة في الأنظمة الدكتاتورية التي تعاقبت على الحكم والتي كان آخرها الأنظمة الدكتاتورية الحالية والتي بدأت تسقط تباعا لما حدث في تونس نظرا للكبت السياسي والثقافي للمواطنين المستبعدين من المعركة السياسية والثقافية،وهكذا عانت الثقافة السياسية العربية حالة من التدهور والانكماش افقدها الحد الأدنى من عوامل التطور والتحديث والانفتاح، كنتيجة طبيعية لمصادرة الحريات العامة وغياب حرية التعبير.
إن تقدم الثقافة السياسية في أي مجتمع من المجتمعات لم يكن ممكناً إلا في ظل شروط سياسية واقتصادية معينة، والتي أبرزها على الإطلاق هي:
1ـ المكون المعرفي، الذي يعتبر أهم مكونات الثقافة السياسية، حيث أن مصادر المعرفة السياسية تقع اغلبها تحت سيطرة السلطة السياسية المركزية، وبالتالي فان هذه المصادر على اختلاف أنواعها سوف تعمل على إعادة إنتاج نفس القيم السائدة في النظام السلطوي، وتساهم بقوة وفاعلية في تكريس مظاهر هذا الواقع السلطوي بكل خياراته ومعاييره ومعطياته.
2ـ مرونة القيادات السياسية ومرونة السياسات التي تنتهجها، حيث تعد هذه القيادات متغيراً هاماً وحاسماً في عملية بناء الثقافة السياسية لا على مستوى الشكل فحسب بل على مستوى المحتوى والمضمون أيضا، ولا تترتب أية نتائج سياسية على عملية البناء هذه إلا على ضوء المنهج السياسي الذي تطوره هذه النخب والقيادات للتعامل معها.
3ـ معالجة أزمة الانتماء والهوية، حيث تواجه العديد من الدول العربية ظاهرة التعددية المجتمعية وما يترتب على هذه الظاهرة من تعدد محاور الانقسام في المجتمع، التي قد تكون سلالية أو لغوية أو دينية أو طائفية أو اقتصادية أو جغرافية، وما تثيره من صراعات وتوترات،
إن تحقيق الاندماج والتكامل الوطني في البلدان العربية أصبح احد الأبعاد الأساسية للاستقرار السياسي والتنمية السياسية بما فيها الثقافة السياسية، وفي الوقت الذي نجحت اغلب الدول المتقدمة في إرساء أسس وقواعد لحل هذه المشكلة وتحويلها إلى عنصر قوة وثراء، فانه بالمقابل لا تزال خطى العديد من البلدان النامية متعثرة في هذا المجال.
ويكمن سبب الإخفاق في الصيغة السياسية المطروحة للتعامل مع هذه الظاهرة، إذ أثبتت التجربة التاريخية أن الدول غير الديمقراطية غير محايدة تجاه قوى وتكوينات المجتمع المتعددة ولا تحترم قيمها وتقاليدها وخصوصياتها، وهي بالتالي سوف تنحاز إلى مكون على حساب المكونات الأخرى، ومن هنا تنشأ علاقة طردية «ايجابية» بين ظاهرة التكامل الوطني وبين حل أزمات التنمية السياسية ومنها أزمة الثقافة السياسية.
وفيما يتعلق بأزمة المثقف السياسي، فان هناك علاقة استنباطية بين أزمة الثقافة السياسية وأزمة المثقف السياسي، وهذه العلاقة يمكن فحصها من خلال التلاؤم بين الأزمتين، ففي ظل الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية يدخل المثقف السياسي في أزمة حقيقية عند تعامله مع حركة الواقع ومعطياته، فإذا دخل في حوار جدلي مع هذا الواقع فانه سيدخل في أزمة مع النظام السياسي، وإذا امتنع عن هذا الحوار فانه سيعيش في حالة اغتراب سياسي.
ومن اجل حل إشكالية أزمة الثقافة السياسية وأزمة المثقف السياسي، لابد من اعتماد مبدأ ديمقراطية الثقافة وثقافة الديمقراطية، وديمقراطية الثقافة هي دائماً مطلب مدرك من قبل قوى اجتماعية ثقافية تؤمن بالتحول الديمقراطي، وتحرك هذا المطلب في مسيرة نضالية لتحقيق تلك الديمقراطية التي تعني التسامح المتبادل بين الثقافات وكذلك بين القوى الثقافية المختلفة التي من حقها الطبيعي أن تمتد ثقافاتها لتصل إلى مستهلكين ثقافيين لتلبية حاجاتهم ومصالحهم.

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn
تم قراءته 49250 مره

وسائط

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

عنوان موقع صوت الشورى

 صنعاء - شارع العدل  تقاطع شارع الزراعة
أمام محكمة بني الحارث ، جوار قاعة ابن الأمير

البريد الإلكتروني:
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هاتف:

967-777597797+
226773 -1- 967 +
فاكس:
564166 -1- 967 +

هيئة تحرير الموقع

رئيس التحرير

خالد حميد الشريف

المحررون

إبراهيم الحبيشي        محمد المطاع

ألطاف عبد الله        نجوى فؤاد سعيد

محمد الزرقة

تسجيل دخول المدير

تسجيل دخول المحررين