آخر الأخبار

الأربعاء, 09 شباط/فبراير 2011 07:52

جميع المجالات الحياتية، تتجلى في الإطار السياسي والثقافي لبيئة المجتمعات الثقافات السياسية العربية- التأثير والتأثر

كتبه 

•  يعاني الجسم العربي من معضلة اجتماعية وسياسية وثقافية قديمة
•  تحرير الفرد سياسياً وثقافياً خطوة أساسية نحو تحرير المجتمع

•  الفرد العربي مغيب عن الحراك السياسي بسبب صنمية الحكم التقليدي والقرارات الإقصائية وغياب التنشئة والتثقيف السياسي

حاولت الدول العربية أن تلبس نفسها ثوب التحديث، من خلال نماذج عدة مستوردة، كالاشتراكية، والجمهورية، والرأسمالية، لكنها فشلت في استثمار تلك النماذج، لأنها لم تنبع من ذاتية وخصوصية المنطقة العربية، وبذورها لا تتلاءم مع التربة العربية، فكان من الواجب تبيئة تلك النماذج لتتمازج وتتلاءم مع البيئة العربية، ولكن.. أليس هذا ناتجاً عن تراكم زمني سببه أن الفرد العربي لم يتعود فيه على نظام سياسي متثقف واضح لتداول السلطة، بل على نظام إقصائي، وفق مفهوم التداول، وليس ثبوت الدولة، غير متناسين في الوقت عينه، أن الحكم القبلي العربي أقصي عن السلطة والحكم لمدة ألف عام خلال فترة حكم البداوة الأسيوية؟!


يتضح من ذلك أن الجسم العربي يعاني من معضلة اجتماعية وسياسية وثقافية قديمة، يلزمها وصفة سياسية وثقافية تسمى بـ «التنشئة والثقافة السياسية»، لتجعل منه قادراً على تبييء تلك النماذج بالشكل الصحيح، وليس تبييئها بثقافة الاستبداد الموروثة، فظهرت المؤسسة العربية مشوهة بطابع القبلية، والشخصانية، والارتباط العائلي، ما يعني ان حال الماضي مشابه لحال اليوم.  فالرابطة الاقصائية مازالت مسيطرة على رابطة الانتماء الطوعي، التي يُفَسَّرُ من خلالها ان الدولة هي القبيلة او الحزب، وسقوطهما يعني سقوط الدولة.
من هنا يظهر أن تحرير الفرد سياسيا وثقافيا خطوة أساسية لتحرير المجتمع، وان خوض معركة الحضارة سابقة على خوض معركة السياسة، من اجل بناء قواعد الدولة، ومفهوم المواطنة، التي يجتمع عليها أفراد المجتمع نحو طريق واقعي واحد، وثقافة سياسية واحدة، بعيدا عن الهيام التاريخي وتجميل الماضي، والاستغراب، والمثالية الديماغوجية.
اندفعت التحركات العربية لتدخل معترك المجال السياسي وفق خطاب ديماغوجي، ودون الاهتمام بالمجالات الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، لتبقى المنطقة العربية في مخاض صعب لبناء تلك المجالات، ذلك لأن من أساسيات المجال السياسي وجود مجال اجتماعي وثقافي تصاحبهما مسؤولية فردية مبنية على الواجب، وان تحقيق المجال الاقتصادي، والمجال الاجتماعي والثقافي من ضمن المجال السياسي (التحرري) يتطلب إطلاق الحريات، التي تمثل «المصلحة» بين الأفراد.
ليتبين أن الحركات الإصلاحية ما بين النظرية والتطبيق، لم تراعِ أن المجال الثقافي هو مجال يؤدلج المجال السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، يؤثر ويتأثر بها من خلال إنتاجها الفكري (ينتجها ويمنتجها)، لأن جميع المجالات الحياتية، تتجلى في الإطار الثقافي لبيئة المجتمعات.
وحتى تكون المسألة واضحة فإن كل نظام سياسي يترسخ ويتمحور حول أنماط محددة من التوجهات التي تضبط التفاعلات التي يتضمنها النظام الاجتماعي، وبالمقابل تكون الثقافة السياسية بمثابة التنظيم غير المقنن للتفاعلات السياسية.
والثقافة السياسية تعني منظومة القيم والمبادئ والأفكار والسلوك ا لسياسي والقيمي والإنتاج الثقافي والفني السياسي المرتبطة بظاهرة السلطة والنظام السياسي في المجتمع، ويضيف البعض الى توصيف مفهوم الثقافة السياسية معايير أخرى كالموقف من العمل والإنتاج والملكية، وهكذا يتداخل الجانب المادي الموضوعي والجانب المعنوي القيمي في تعريف مفهوم الثقافة السياسية.
وفي الوقت الذي تعتبر الثقافة السياسية جزءاً مهما من الثقافة العامة للمجتمع، فإنها بالمقابل تتسم بشيء من الاستقلالية والخصوصية في إطارها، وكما ان القيم الاجتماعية تنتقل وتتعزز داخل المجتمع من خلال التنشئة الاجتماعية، فان قيم وأفكار ومعايير الثقافة السياسية تنتقل وتتكرس من خلال عملية التنشئة السياسية، التي تساهم الأحزاب السياسية مساهمة فعالة وأساسية في عملية التنشئة والتجنيد السياسيين.
وسط هذا الزحام للاستيلاء على السلطة، كان الفرد العربي مغيبا عن خوض الحراك السياسي، بسبب صنمية الحكم التقليدي، والقرارات الإقصائية، وغياب التنشئة والثقافة السياسية، ليتبلور في ذلك مفهوم سياسي مبني على تداول الدولة وليس السلطة.
مما سبق نخلص إلى أن الثقافة السياسية هي محصلة تفاعلات الخبرة التاريخية والوضع الجغرافي والمعتقدات الدينية والظروف الاجتماعية والاقتصادية وتوجهات الرأي العام وتأثيراته، ان هذا التنوع يشكل روافد الثقافة السياسية.
وهناك العديد من الدراسات النظرية التي تناولت تأثير البيئة في تشكيل الثقافات السياسية، حيث أشار البعض إلى حتمية قيام النظم الاستبدادية في المجتمعات النهرية استناداً إلى السوابق التأريخية لبعض الحضارات النهرية، وبالمقابل تشير دراسات أخرى إلى عكس ذلك تماماً حيث أرجعت تنامي الحركات الاجتماعية ذات الطابع الفلاحي وتزايد مقاومتها للنظم الاستبدادية قد نشأ في الأصل داخل بيئات زراعية.
وعلى صعيد تأثير المعتقدات الدينية في تشكيل الثقافات السياسية، حيث أن الليبراليين الأوائل لم يتحركوا خارج إطار الظاهرة الدينية أو في مواجهتها، بل أكدوا على أهمية الدين في تكريس قيم العدالة والتسامح وزيادة الوعي الخلقي وحفظ النظام والقانون داخل المجتمعات. وفي المجتمعات العربية ومنها العراق يلعب الدين دوراً محورياً في تشكيل العلاقات الاجتماعية، كما يعتبر عنصراً تكوينياً من عناصر الهوية الوطنية، وقد خاضت العديد من الدول معارك التحرير تحت راية الدين (كالجزائر على سبيل المثال)، وذلك لقدرته على تحقيق التعبئة والتماسك الاجتماعي، وهكذا فان المعتقدات الدينية تعتبر عنصراً تكوينياً من عناصر الثقافة السياسية.
وفيما يتعلق بأهمية الظروف الاجتماعية والاقتصادية كأحد العوامل الرئيسية في بلورة الثقافة السياسية، فان هناك مجموعة من المفاهيم التي تشير إلى ظاهرة التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بين فئات وقطاعات وأقاليم المجتمع الواحد ومدى تأثيرها على الثقافات السياسية، ومن هذه المفاهيم أزمة توزيع منافع الثروة الوطنية والحرمان الاقتصادي وغياب العدالة الاجتماعية، وهذه المفاهيم وثيقة الصلة بجهوز العملية السياسية باعتبارها عملية «التخصص السلطوي للقيم» التي تعني أن معظم القرارات السياسية هي قرارات توزيعية تتضمن تكريساً لقيم معينة على حساب قيم أخرى.
وعلى صعيد الرأي العام وتأثيراته،  إذا اتسمت توجهات الرأي العام ومواقفه بالثبات إزاء قضية معينة لفترة طويلة، فمن هنا تبرز إمكانية ايجابية وهي ان يتحول هذا الموقف إلى قيمة مضافة إلى نسق القيم التي تتضمنها الثقافة السياسية.
والثقافة السياسية لمجتمع ما تحوي في إطارها العديد من الثقافات السياسية الفرعية التي تختلف باختلاف الأجيال والبيئات والمهن، فالثقافة السياسية للشباب تختلف عن نظيرتها للشيوخ، والثقافة السياسية للنخب تختلف عن مثيلاتها للجماهير والثقافة السياسية للحضر تختلف عن تلك لسكان الريف، بل إن كل شريحة من شرائح المجتمع وكل طبقة من طبقاته لها ثقافة سياسية مختلفة عن الأخرى.
هكذا هي الساحة العربية، جمود في الفكر السياسي، وحقبة طويلة أدت إلى تغييب الفرد العربي عن معترك السياسة، بدل لغة المشاركة السياسية، ما جعل من هذا الفرد يتمرد على كل السلطات الآنية، لينادي باسم القومية العربية وإحيائها، لبناء دولة عربية تحمل في حناياها وحدة العرب التكوينية.

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn
تم قراءته 30123 مره

وسائط

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

عنوان موقع صوت الشورى

 صنعاء - شارع العدل  تقاطع شارع الزراعة
أمام محكمة بني الحارث ، جوار قاعة ابن الأمير

البريد الإلكتروني:
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هاتف:

967-777597797+
226773 -1- 967 +
فاكس:
564166 -1- 967 +

هيئة تحرير الموقع

رئيس التحرير

خالد حميد الشريف

المحررون

إبراهيم الحبيشي        محمد المطاع

ألطاف عبد الله        نجوى فؤاد سعيد

محمد الزرقة

تسجيل دخول المدير

تسجيل دخول المحررين