الخميس, 20 شباط/فبراير 2020 16:19

من قيم الثورة الدستورية وأخلاقياتها.. قراءة في الميثاق الوطني المقدس

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

د. أحمد صالح النهمي

 

يشير العنوان السابق إلى أن هذه الورقة ستتجاوز الحديث عن أسباب قيام الثورة ،ودوافعها، وتعاقب أحداثها، ووقائعها، وشخوصها، ونتائجها، وأسباب فشلها، فهذه القضايا  تناولها كثير من الكتاب والباحثين وتعددت آراؤهم حولها وتباينت أحكامهم عليها تبعا لاختلاف الروايات حول كثير من تفصيلاتها، واختلاف مواقعهم التي ينظرون منها إلى ثورة الدستور، وتباين مشاربهم الثقافية وإيدلوجياتهم الفكرية وهواهم السياسي. وللأسف فقد تورطت بعض الكتابات في محاكمة الماضي بعقلية الحاضر، فأصدرت أحكاما قاصرة عن الأشخاص والوقائع بناء على ما وصلها من معطيات ناقصة أو مجتزأة من سياقاتها، ووقعت كتابات أخرى في أشراك التماهي مع هوى السلطات الحاكمة فتناولت الأحداث تبعا لهوى الحاكم وطمعا في إرضائه، فمنحت صكوك البطولات الثورية لمن هم في دائرة الرضى السلطوي، وأغفلت وتغافلت عن أدوار من هم في دائرة السخط، ولم تسلم من هذه المزالق إلا القليل من الكتابات الحصيفة التي سعت إلى أن تنشد الحقيقة، وتنفض عنها الغبار، ولا يهمها بعد ذلك من يرضى عنها، ومن يغضب.

 ولعل من أهم ما نلاحظه على كثير من هذه الكتابات هي أنها قد أغفلت بدرجات متفاوتة الحديث عن أهم ثوابت الثورة الدستورية وهو الميثاق الوطني المقدس، فلم يلق حقه من الدراسة ولم يأخذ نصيبه من الاهتمام، ولذلك فإننا في هذه الورقة سنحاول التركيز على تفكيك حمولاته الفكرية ودلالاته السياسية، التي اتخذت من اليمن أرضا وإنسانا محورها المركزي وموضوعها الأساس، ولن نلتفت إلى مناقشة الاختلافات التي أثيرت حول الميثاق المقدس ، من كتبه؟ وأين كتب؟ ومن أين جاء؟ وهل أسهمت قوى أو شخصيات غير يمنية في صياغته وإلى أي مدى؟ فما يهمنا هو إعادة قراءته بعين موضوعية لا تحاكم الماضي بمعايير الحاضر، ولا تستلب الحاضر ليعيش نظريا في الماضي، وفكر مستنير يتعالى على السقوط في التجريح، وينأى عن اجترار الخصومات وتجديد الجروح، فما هو الميثاق الوطني المقدس؟ وما أهم قيم الثورة الدستورية التي يمكن أن نستخلصها من خلال أفكاره ومضامينه؟

 يمكن القول بإن الميثاق الوطني المقدس في أبسط تعريفاته هو المشروع النظري لثورة الأحرار اليمنيين الذي يحمل رؤيتهم للإصلاح السياسي الشامل في اليمن، ويتضمن تصورهم لبناء الدولة الدستورية الشوروية التي ينشدونها، أملا في إنقاذ حاضر الوطن وازدهار مستقبله.

ويكاد يجمع كثير من الباحثين بأن الميثاق الوطني المقدس هو أول مشروع سياسي للإصلاح في اليمن والمنطقة العربية كلها، حاول الثوار اليمنيون من خلاله إعادة تشكيل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية في المجتمع اليمني، والإطلال على العصر، ومستجداته على كل الأصعدة من خلال تجاوز البنية الإيدلوجية للنظام الإمامي، واختراق أسواره وكسر قيوده.

يتكون الميثاق الوطني المقدس من 39 مادة وملحق بها أربع مواد أخرى تتناول في مجملها طبيعة نظام الحكم الجديد الذي ينشدونه، ومقومات دولة الدستور، وتنظيم سلطاتها، وتحديد صلاحيات الحاكم /الإمام الدستوري ومؤسسات الدولة  (مجلس الوزراء، مجلس الشورى، الجمعية التأسيسية) ويضع أسس صياغة الدستور، مع الإشارة إلى أهم أهداف الثورة وطموحاتها العاجلة والمستقبلية، ولعل أهم قيم ثورة الدستور التي يمكن أن نستشفها من خلال قراءة الميثاق الوطني المقدس هي:

القيمة الأولى:

الانطلاق من أجل قضية وليس ضد أشخاص:

لقد انطلق الأحرار اليمنيون - وهم قوى المعارضة المناهضة للحكم، قبل نشأة حزب الأحرار- ،   من أجل قضية عادلة تكمن في إنقاذ حاضر اليمن من حالة البؤس القاتلة التي تحاصره في شتى مناحي الحياة، وصيانته من العواقب في المستقبل، فالثورة لم تنطلق من دوافع العداء والكراهية لشخصية الإمام لذاتها وأولاده وحاشيته وأسرته، وإنما انطلقت أملا في تحقيق قضية تتعلق بالمصلحة العامة لليمن، ولم يصل الثوار إلى مرحلة الثورة إلا بعد أن فشلوا في إقناع الإمام بإجراء الإصلاحات الضرورية، وتأكد لهم عدم استجابته لأصواتهم، وإصراره على إبقاء الحال على ما هو عليه، وبعد أن أصبحت أوضاع البلاد كما يصفها الميثاق المقدس في المقدمة "منحطة إلى حد بعيد في أمور الدنيا والدين بسبب الاستبداد والأنانية التي اشتهر بهما الإمام يحيى بن محمد حميد الدين حتى صار الغرض المطلوب من الإمامة معدوما في كل ناحية، ولم يبق غير مظاهر خادعة كاذبة لا تتفق مع موجبات الشرع الشريف، ولا تتضمن شيئا من الإصلاح الذي يوجبه الدين والحال ولا تصون اليمن من العواقب في الاستقبال، لهذا فقد انطلقوا قياما بالواجب لله تعالى وللمسلمين وطلبا للسلامة في الدين والدنيا والعقوبة من الله سبحانه وتعالى ولحفظ شرف الدين والاستقلال".

القيمة الثانية:

استبدال نظام فردي استبدادي بنظام شوروي دستوري وليس استبدال أشخاص بآخرين:

بعد أن تأكد للأحرار اليمنيين أن استمرار النظام القائم لن يؤدي إلا إلى مزيد من التدهور المتصاعد في شتى جوانب الحياة المختلفة وانحطاط واسع في مناطق البلاد، وإرهاق الشعب بالضرائب والبواقي، وتوسيع حاجز العزلة السياسية والاقتصادية بين اليمن والعالم، ولن تؤدي سياساته الرتيبة إلا إلى مزيد من ضعف الجيش اليمني إلى درجة أصبح معها غير قادر على حفظ البلاد وتأمين حدودها، فضلا عن تردي الخدمات العامة وانعدامها من صحة وتعليم وسائر الخدمات وبعد أن فشلت كل المحاولات الإصلاحية في إقناع الإمام بتغيير سياساته في إدارة البلاد والتراجع عن قرار ولاية العهد أدرك الأحرار اليمنيون ضرورة التغيير الجذري للنظام الاستبدادي الوراثي القائم بنظام صالح متطور ينقذ حاضر البلاد ويحمي المستقبل من وصول ولي العهد أحمد إلى السلطة بعد وفاة أبيه، فاجتمع ممثلو الشعب على اختلاف طبقاتهم للنظر كما تقول مقدمة الميثاق في وضع نظام صالح يقيم الأمن ويحفظ الدولة، وحرصا منهم على أن يأتوا إلى قيادة النظام الجديد بأشخاص يغايرون الأشخاص الذين ثاروا عليهم ثقافة وسلوكا وممارسة، وحتى لا يقلعون "ثومي" ويغرسون "بصلي" فقد قاموا بصياغة الميثاق المقدس لتحديد ملامح الحكم في النظام الجديد التي تتجاوز مضامينها طبيعة ملامح النظام السابق وتعالج أوجه القصور فيه، ومكامن الخلل التي أدت إلى تدهور أحوال البلاد وتخلف الشعب، ولعل أبرز هذه الملامح ما يلي:

ــ استبدال النظام الفردي الاستبدادي المطلق بنظام شوروي دستوري، اعتقادا منهم أنه لو صلح شأن الرأس (الحكم) لصلح باقي الجسد، لذلك فقد أقر الميثاق الوطني المقدس في مادته الأولى مبدأ البيعة الشوروية الدستورية، وفي المادة الثانية وضعوا الشروط المقدسة التي يجب أن يلتزم بها الإمام  الذي سيبايع، وحددوا صلاحياته وحقوقه ووجوب طاعته، وحددت المادة الثالثة نظام الحكم بأن يكون "شورويا دستوريا بما لا يخالف الشريعة السمحة من كتاب الله وسنة رسوله"

ــ استبدال مبدأ احتكار السلطات في يد الإمام وأبنائه بتأسيس نظام حكم مدني يحكمه دستور البلاد الذي سيقوم بصياغته لجنة خاصة يعينها مجلس الشورى من أهل الكفاءة والصلاح علما وعملا ، ثم يعرض على الإمام ما يقررونه ليحيله حالا إلى الجمعية التأسيسية لتنظر فيه ويصبح واجب التنفيذ والتوقيع بحسب ما تقرره الأكثرية. وأعطى الميثاق لكل أبناء اليمن في الداخل والخارج الحق في ترشيح أنفسهم لعضوية الجمعية التأسيسية ومجلس الشورى، وحدد الميثاق المقدس أسس النظام الجديد مثل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وصلاحياتها، وضوابط مالية الدولة وحصرهافنحن أمام سلطات متعددة وصلاحيات محددة وضوابط تنظم طبيعة العلاقة بينها، فضلا عن توسيع عملية المشاركة السياسية بين أوساط الشعب لانتخاب ممثليهم في الجمعية التأسيسية ومجلس الشورى.

ــ كسر حاجز العزلة والدعوة إلى الانفتاح على العالم والأخذ بأسباب التقدم والتطور، فمنذ المادة الأولى يؤكد الميثاق المقدس على السير على نحو ما تسير به أرقى الأمم اليوم في العالم المتحضر، وأكدت المادة (33) على وجوب الاتصال بالعالم المتمدن، وقد تأثر الأحر "بصورة واضحة بما يحدث في مصر والعراق، وهذا التأثر طبيعي لأن الأحرار لم يخرجوا إلى غيرهما، وكانا بالنسبة لهم المتنفس الوحيد، والنموذج الأوحد، وهما وجها المقارنة"[1] 

ــ معالجة حالة التردي والانحطاط في الجيش والتعليم والصحة وسائر الخدمات وتحسين وضع منتسبيها ومحاربة الجهل والفقر والمرض في غير هوادة،  وإزالة الظلم والطغيان عن الرعايا في طريقة أخذ الواجبات وإسقاط البواقي الكاذبة، وصيانة أموال الناس وأعراضهم  وأرواحهم، وكفالة حرية الرأي والكفاية والاجتماع، والعناية بالمهاجرين اليمنيين خارج البلاد،  والقضاء على روح الرشوة والمحسوبية في الدولة وعدها من الخيانات الكبرى .

القيمة الثالثة: التسامح الثوري:

امتازت الثورة الدستورية بأنها ثورة حضارية قائمة على مبدأ التسامح الثوري، فلا مجال فيها للانتقام ولا خصوم للثورة إلا من يقاومون مشروعها الوطني الساعي إلى تحقيق المصلحة العامة للشعب، فقد أكد الميثاق الوطني المقدس في المادة الثانية من الملحق على أن " من تبين عنه من أفراد أسرة الإمام يحيى قبول رغبة الأمة الممثلة في هذا الميثاق، والتزم بكل ما جاء فيه فله ما لأمثاله من أبناء الأمة وعليه ما على مثله أيضا"، وهو ما يؤكد على أن الثوار لم ينطلقوا من عداء شخصي، ورغبة في الانتقام، وإنما ثاروا من أجل مصلحة الشعب اليمني، وقد عين الأمير إبراهيم بن الإمام يحيى رئيسا لمجلس الشورى.

القيمة الرابعة :

ترسيخ سيادة القانون وتطبيقها على الأشخاص مهما علت منزلتهم الوظيفية ، فالمادة (21) تقول: " إذا ثبت عن شخص مهما علت منزلته اختلاس شيء من أموال الدولة أو محاولته ذلك، سواء كان بالانفراد أو بالاشتراك مع آخرين فإنه يحاكم أمام مجلس الشورى...

القيمة الخامسة:

المواءمة الصادقة بين موجبات الشريعة الإسلامية السمحة الصحيحة ومقتضيات الأخذ بأساليب العصر الحديث، فهما يردان مقترنان منذ المادة الأولى التي تنص على البيعة الشوروية الدستورية "على نحو ما تسير به أرقى الأمم اليوم في العالم المتحضر، في ما لا يخالف أدنى مخالفة للتعاليم الإسلامية السمحة الصحيحة"

القيمة الأخيرة:

تمسك الثوار الصلب بأهداف الثورة ومبادئها، وتقدم التضحيات الجسيمة وتحمل الصعاب الشاقة في سبيلها.بقي أن نشير إلى مسألة انتقال الثورة الدستورية من مبدئها السلمي إلى الوقوع في العنف الثوري، فقد نص الميثاق الوطني المقدس على أن تبدأ حركتهم الثورية عند وفاة الإمام الحالي، فلم يفكروا في البداية في قتل الإمام لأنهم كانوا يرتقبون موته على الفراش، وكان همهم هو أن يمنعوا ولي العهد أحمد من الوصول إلى السلطة بعد وفاة أبيه، بيد أن إشاعة موت الإمام وما تبعها من نشر الميثاق المقدس والكشف عن شخصيات الثوار وما تبعها ما أحداث متسارعة أدى كل ذلك إلى تغيير الخطة والتحول من السلمية إلى العنف الثوري وكان ما كان من قتل الإمام يحيى.

 


[1] الاتجاه القومي في حركة الأحرار اليمنيين 1948م، عبد الله الذيفاني، ص205.

م.م

 

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn
تم قراءته 343 مره

وسائط

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

عنوان موقع صوت الشورى

 صنعاء - شارع العدل  تقاطع شارع الزراعة
أمام محكمة بني الحارث ، جوار قاعة ابن الأمير

البريد الإلكتروني:
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هاتف:

967-777597797+
226773 -1- 967 +
فاكس:
564166 -1- 967 +

هيئة تحرير الموقع

رئيس التحرير

خالد حميد الشريف

المحررون

إبراهيم الحبيشي        محمد المطاع

ألطاف عبد الله        نجوى فؤاد سعيد

محمد الزرقة

تسجيل دخول المدير

تسجيل دخول المحررين