الخميس, 20 شباط/فبراير 2020 16:14

حجة وتداعيات النسق التاريخي عليها.. قراءة في أثر ثورة 48م

كتبه  عبدالرحمن مراد
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 عبدالرحمن مراد

 

شهدت حجة الجغرافيا والمكان في مسارات التاريخ المختلفة نشاطا ثقافيا نوعيا جعل منها مركزا موازيا لصعدة ومتكاملا معها، فإذا كانت صعدة تشكل مرجعية ثقافية لكل حركة سياسية أو نشاط اجتماعي إلا أن بداية الفكرة تخرج في الغالب من بين جبال ووهاد وهضاب حجه، فالتاريخ وسير الأئمة الزيدية تتحدث عن دعوة كل إمام لنفسه وتحدد المكان الذي دعا لنفسه فيه وقد تجد أن الكثير من الأئمة بدأت دعوتهم من حجة على امتدادها الجغرافي، وغالب الأئمة الذين انتزعت الاحداث السياسية والصراعات منهم سلطانهم كانوا يرون في حجة ملاذا آمنا فيعودن للتدريس في هجرها ومساجدها، وقد أفردت السير مساحة واسعة كشواهد على هذاالحال وكمثال على ذلك الإمام المهدي أحمد بن يحيى بن المرتضى الذي توفى (840هـ) بعد فقدانه للسلطة عاد الى ظفير حجه وانقطع فيها للتدريس والتأليف حتى بلغت مؤلفاته أكثر من ثلاثة وثلاثين مؤلفاً توزعت بين الفقه وعلم الكلام والأصول واللغة والتاريخ والزهد والمنطق والحديث وأشهر كتبه كتاب (متن الأزهار في فقه الأئمة الاطهار) المرجع الفقهي للمذهب الزيدي وقد اشتمل على 28 ألف مسألة من مسائل الفقه وهو علم من أعلام اليمن المشهورين وكتبه مطبوعة ومتداولة.

ومن الذين دعا لنفسه الإمام الهادي شرف الدين بن محمد بن عبد الرحمن عشيش (1245 – 1307هـ) الذي دعا لنفسه من الظفير في شهر صفر عام 1296هـ ثم غادرها إلى الأهنوم وهناك بايعه علماء صعدة بعد أن انتدبا إليه اثنين من علمائهم هما محمد عبدالله الغالبي وأحمد بن إبراهيم الهاشمي ونظرا في علمه ومدى توافق الشروط عليه وعندما تأكدا من سلامة الشروط وتوافقها بايعاه والزموا الناس بطاعته وعلى أثر ذلك انتقل إلى مدينة صعدة في شهر ذي الحجة من عام 1298هـ ونزل حصن سناره وجعله مقر حكمه ودار مملكته.

والكثير من الشواهد التاريخية تؤكد التلازم السياسي والثقافي بين حجه وصعدة في حقب التاريخ الاسلامي المختلفة، ونشأت في البناء الاجتماعي فكرة الهجر- بكسر الهاء وفتح الجيم – وهي بناء ثقافي واجتماعي كانت تشكل مرجعية ثقافية وقانونية – فقهية – ومرجعية عقائدية دينية ولها نظامها في بنية القبيلة وبنائها العام ولها أثرها في المسار السياسي.

والهجرة قد تكون شخصا منتميا لآل بيت الرسول الاكرم وقد تكون مؤسسة تعليمية لها نظامها وهي منتشرة في عموم الجغرافيا منها هجرة الظفير وهجر بشهارة وهجر بالشرفين وقد تخرج منها علماء اعلام من مثل لطف بن محمد الظفيري صاحب (الإيجاز في علم الإعجاز) و(أرجوزة الفرائض) والحسن بن محمد الزريقي الهمداني صاحب كتاب (حاشية على الأثمار) (وسيرة الإمام شرف الدين) وغير أولئك كثر ممن تحدثت عنهم كتب التراجم.

نظام الهجر العلمية والفردية شكلا بعدا سياسيا في كل الأحداث والمسارات السياسية التي حدثت في التاريخ وماتزال تحدث الى اليوم، وكانت سببا مباشرا وراء تبدل المعادلة العسكرية والسياسية في ثورة فبراير 1948م التي يراها الكثير من الكتاب ومن ضمنهم البردوني أنها كانت انقلابا لأنها لم تحمل شروط الثورة ويراها البعض ثورة وسواء كانت ثورة أم انقلابا إلا أنها أحدثت تبدلا وأثرا وكان لها عواقب في حركة الاحداث التي شهدها تاريخ المرحلة السياسي في عقد الخمسينات من القرن العشرين الذي ماج فيه الشارع العربي في حركات يقظة من أقصاه الى اقصاه.

جاء الامام أحمد الى حجه وجيش الجيوش واستعاد السلطة بصنعاء في ظرف زمني وجيز لم يتجاوز 26 يوماً حيث تم الاعلان عن الثورة الدستورية في 17 فبراير 1948م وجاء الاعلان المضاد للقضاء عليها في 13 مارس 1948م، وهو ظرف زمني قصير جداً بالقياس على طبيعة المرحلة وعلى الزمن، وقد استغل الامام أحمد نظام الهجر في الحشد والتأييد وكانت حجه هي الظهير المساند وهي الرقم الأصعب في دخول صنعاء وعودة سلطة بيت حميد الدين والقضاء على ثورة الاحرار الدستوريين الذين استقبلتهم سجونها وشهدت ساحاتها وميادينها اعدامهم وعلى رأس أولئك قائد الثورة الدستورية عبدالله الوزير.

كما أن نظام الهجر القائم على مبدأ الولاء لآل بيت الرسول الاكرم عليه الصلاة والسلام كان وراء فشل مشروع النظام الجمهوري الذي استمر في صراع دائم لمدة ثمانية أعوام حتى أفرغته الصراعات من محتواه العام وأصبحت الثورة فراغاً يدور في فراغ من غير مضمون ثوري قادر على احداث متغير حضاري، وقد استمر الصراع الى عام 1975م وكانت حجه هي موطنه والحامل الحقيقي له، إذ ظلت تقاوم المشروع الجمهوري الذي حملته البيادة المصرية والحركة القومية ولم تحمله الضرورة الاجتماعية والثقافية، فكان جرف المحابشة هو الحاضن للإمام البدر ثم جرف قارة وقد تداعت حجه ونظامها الاجتماعي للدفاع عن النظام القديم الى عام 1975م بعد أن أطمأنت نفوسهم لمشروع حركة 13يونيو 74م وظل البعض على ذات الولاء لا يعترف بالنظام الجمهوري الى عقد الثمانينات كالشيخ الأدبعي الذي كان يرفض حتى الخدمات العامة كالطرق وقيل أن صالح استدعاه الى حجه وأهداه سيارة فأضطر بعد ذلك أن يسمح للنظام بشق الطرق حتى تنفذ الى بلاده.

هذا الموقف كانت له تداعياته على حجه وأهلها وظلت حجه وأبناؤها يدفعون ثمنا باهضا الى عام 2014م بعد أن ماجت الأرض واضطربت وعادت الامور الى مسارها التاريخي.

خلال العقود التي حكم فيها نظام صالح لم تكن حجه تشكل حضوراً مهماً في النظام بل كان يتم التعامل مع أبنائها بالإقصاء كما أن الذين يديرون شأنها من غير أبنائها حتى بعد صدور قانون السلطة المحلية، وقد خضنا صراعاً مريراً مع السلطات يوم ذلك إلا أن النظام كان مصراً على موقفه، وفرض فريد مجور محافظاً على حجة قفزاً على نصوص القانون الذي صاغه بنفسه.

وقد صرخنا يومذاك في كل وسائل الاعلام بالقول إن حجة تدفع ثمن موقفها من 48م، وهو أنين ما تزال الشبكة العنكبوتية تحتفظ بالكثير من تفاصيله.

بعد الثورة الدستورية حدث حراك ثقافي وأدبي في حجه الى درجة القول في بعض الدراسات النقدية بمدرسة حجة الشعرية لتي كانت لها خصائصها الفنية والموضوعية، ومثل ذلك كان من ثمار الثورة الدستورية في بعض جوانبها إذ لكل حدث أثر قد يكون مشرقا في جانب ومظلما في آخر وفق طبيعة حركة التاريخ.

ولذلك يمكن القول وفق دلائل التاريخ وأحداثه إن حجه تمثل عمقاً ثقافياً وتحمل مشروعاً سياسياً في تعاضد تاريخي مع صعدة وهي ملاذ كل مبعد سياسي إذا جار عليه الزمن وضاق به الحال فجغرافيا حجه الثقافية تسعه فله فيها حواضن تقوم على أسس وقيم وأعراف يمكن الوثوق بها إذ لم يحدثنا التاريخ أنها خذلت أحدا.

م.م

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn
تم قراءته 319 مره

وسائط

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

عنوان موقع صوت الشورى

 صنعاء - شارع العدل  تقاطع شارع الزراعة
أمام محكمة بني الحارث ، جوار قاعة ابن الأمير

البريد الإلكتروني:
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هاتف:

967-777597797+
226773 -1- 967 +
فاكس:
564166 -1- 967 +

هيئة تحرير الموقع

رئيس التحرير

خالد حميد الشريف

المحررون

إبراهيم الحبيشي        محمد المطاع

ألطاف عبد الله        نجوى فؤاد سعيد

محمد الزرقة

تسجيل دخول المدير

تسجيل دخول المحررين