الأربعاء, 22 كانون2/يناير 2020 11:30

من وحي زيارتنا لشجرة ذابح المعمرة مميز

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الكلمة والشجرة تؤمان علاقتهما كعلاقة الروح بالجسد ، واذا كانت الكلمة روح الله التي التي نفخها في الطين فستحالت بشرا يعقل ويقدر ويملك المشروع والرؤية التي من خلالها يستطيع تعمير العالم ، فأن الشجرة هي التجسيد الابهى للانسان ومشروعه الحضاري لتعمير الحياة ، فكلاهما خالدان وعمرهما  بعمر الوجود فكما تخلقت الشجرة من بذرة او برعم واصبحت شجرة طيبة تقاوم تغيرات الزمن وتوفر للكائنات الحية حولها الظروف المناسبة للحياة ، وتبذر ثمارها وفسائلها في كل مكان فهي  تنمو في كل مكان ، وحيثما تحمل الربح والامطار والكائنات الاخرى سرها تنمو حقيقتها ، وهكذا الانسان نطفة صغيرة تخلقت ونمت في بطن الحياة فعمر العالم وستمر بعمله وذريته وتجاوز حدود الزمان والمكان بافكاره ومشروعه الخير في العالم ، قد تتوسد جثته اللحود ، ولكن فيض روحه ومشروعه في الحياة يظل يسافر في الوجود .

ارتبطت الشجرة بالانسان بحزمة من المصالح والمنافع المتبادلة وكانت الشجرة هي الاكثر عطاء وكرما ، فهي رجل المهد والكرسي والطاولة وهي العصاء ويد الفأس والباب والنافذة وسقف البيت ، ومن اوراقها ولحاها اتخذ الانسان الاول لباسا ومن جذوعها وفروعها سقف بيته وابوابه ونوافذه ومن اوراقها اطعم انعامه ومن ثمارها ياكل هو واولاده ، وكما توفر له الظل في حر الهجيرة ، توفر له الدفء في ليالي الصقيع .

هي تمنح كل شيئ حتى الاكسجين النقي هي مصدره ، ولايساوي ما منحها الانسان اياه من الرعاية والاهتمام في صغرها حتى تكبر - حفنة ماء - بجوار بحر عطائها اللامتناهي. 

والاشجار هي التجسيد الاوضح لمقام الشكر حيث جسدت العطاء والجود اللامحدود والوقوف والوجهة نحو السماء والاعالي. 

لقد زرنا تالوقة غيل ذابح المعمرة والتي شهدت فصولا لاتحصى من مسرحية الحياة ، وعاصرت الاجداد والاسلاف والاحفاد ، شاهدت عبثهم ونظامهم ،وجدهم وهزلهم وضعفهم وقوتهم ، وحتى عندما وصل بهم الحال الى تجاور بولهم ومشربهم في ساقية واحدة رغم دعواهم النظافة والحرص والاهتمام بصحتهم ، تذكرت اليوم وانا احدق في غيل ذابح المتدفق بلونه الفضي اللامع ، وبركته التي كانت حلمنا الاثير صغارا ، وكيف تجاور السلسبيل العذب بمياه الصرف الصحي بلونها الاصفر وروائحها النتنة

تذكرت كيف تبدل حال هذا الغيل وكانه كان يستمد طاقته من حارسه المرتاب  كنا نفر من صرخاته ، ولماذا كان يمثل حالة من الرعب لكل الاطفال ، لا ادري لماذا كان يصرخ ولماذا كنا نخاف منه ، ومالذي كان يخيف هذا الحارس المرتاب من اطفال صغار غايتهم وحلمهم هو ان يسبحوا ساعة من نهار  في بركة الغيل الصغيرة.. .

كان الرجل مصاب بهوس الارتياب والخوف من عبث الاطفال ، ولهذا هجره ابنائه ولم يستطيعوا ان يعيشوا معه ، ورغم انه حتى كبر ظل يصرخ ويتوعد كل من يقترب من غيله الا انه تحول الى اب حنون لاثنين من احفاده .

اما ابنائه فقد فقدهم ولم يستعبدهم ابدا.

كانت العجائز تحدثنا عن صالح القاز وانه اصيب بلوثة من الجنون بسبب بقائه حارسا في الليل في ذابح حيث تستوطن تالوقته اشد واعتى الشياطين والعفاريت .

بينما كنت اظن ان جنونه بسبب مطاردته للاطفال الصغار واخافتهم وحرمانهم من السباحة ، بعد ان كبرنا وشاخ صالح القاز لم نعد نخاف منه لكنه ظل مشاكسا فكان لديه احساس قوي ،وبمجر ان يحس باننا سننزل غيل ذابح يقوم يفجر البريك حتى لا نسبح فيه ، فظلت لعناتنا تطارده  في الصغر والكبر ، واذكر انه كان هناك بعض الاباء لهم علاقة طيبه به ، فكان يسمح لاولادهم بالسباحة منفردين في اوقات لايكون جميع الشباب متواجدين ، فكانوا يخبروننا وننزل معا ككتيبة يراها الحارس المرتاب من القرود فياتي ليفجر الماجل ويحرم الجميع ولا يقبل احد .

اظن انه جن من لوثات الحراسة الليليلة والوحوش التي كانت تصعد من اسفل الوادي اليه ، ولانه كان يحرس وحيدا تضخمت تخيلاته ، وبسبب هجر اولاده له وعقوقهم المتبادل تضاعف هوس الارتياب لديه .

كل احوال الوالد صالح القاز الذي عاش وحيدا ، ورغم احسانه  لاحفاده الا انه مات وحيدا رحمة الله عليه. 

الا ان تالوقة ذابح كانت تعرفه جيدا وتعرف سر مخاوفه وارتيابه وتعرف متى تؤدبه وتلجم جموح هوسه وتثير اشد مخاوفه ، فشجرة بعمرها تملك الكثير من التجارب والخبرات واليات الدفاع والاحتماء ،وارهاب الكائنات الحية ، ولديها صداقات مختلفة فكما كنت مأوئ للكثير من الطيور والحشرات والنباتات النافعة والضارة. 

وكانت تخيف الجميع ، حيث تنمو حولها الطحالت والنباتات المختلفة وتنمو ايضا الحكايات والاساطير ، وكانت تجذب المجانين اليها ووحدهم  اشد المجانين فتوة وقوة ينزلون ليسبحوا في غيل ذابح  ليلا ولا يجرؤ صالح القاز على اخافتهم. 

حيث كان علي شريان يتسرب من سقيفه اسفل بيت الشهاري ليلا الى غيل ذابح وتسمع اصواته وقهقهاته واحبانا معاركه الطاحنة مع اشد الكائنات  ، وذات الامر مع ناصر حمود زهير الذي يتسلل من سقيفه في شعب العثرب ليلا الى غيل ذابح ، واذا التقى بعلي شريان فيظلان يتعاركا على جنية ساحرة نبتت في مخيلتهما ولم يراها احد ، حتى يثخنا بعضهم البعض بالجراح 

وكان اخر ضحايا تالوقة غيل ذابح هو مراد الانسي الذي حاول ان يقطع احد فروعها بطريقة خاطئة فطوحت به ا بعيدا ، فظل يعاني من اثار ذلك ، وينشر بتأوهه وتوجعه الخوف الذي افزع حملة الفؤس واجبرهم على عدم الاقتراب منها . 

كانت القصص حول استيطان اعتى المخلوقات لهذه الشجرة حديث الكثير من العجائز وهمساتهن لبعضهن البعض ، وكانت النساء اللاتي يبكرن فجرا لجلب الماء من غيل ذابح يتناقلن قصص وحكايات المخلوقات التي لا تذكر..  واعوذ بالله..  اللاتي شاهدنهن وهن خارجات من جذع الشجرة او من جدار الغيل او الجنيات الاتي يسرحن شعورهن ويغطي شعرهن الماجل او الصغار الذي يلعبون وصياحهم يملاء البركة وعند حضور احد يتلاشون وعندما يخاف الانسي يسمعون تسارع نبضات قلبه فتهمهم  ضحكاتهم او يلمح يد او احد اطراف احدهم او يسمع صوت عاقل يقرعهم ، لقد تلاشت كل هذه الحكايات ونسيت بعد تركيب مشروع المياه الى البيوت .

 حتى وجدنا اليوم الاستاذ محسن الشرفي جار غيل ذابح وهو اخر بيت في الحارة وفوق الغيل مباشرة قبل ان ياتي القادمون الجدد حيث حكى احدى الحكايات التي كانت تروى على مسامعه ووثقها الاستاذ سمير النمر بتلفونه. 

- حكاية تالوقة غيل ذابح التي حتى الطريق اليها درست معالمه ، وتواطأ بعض السكان الجدد بجوار الغيل على البناء في طريق الغيل ، وذلك حتى لايزعجهم احد في الصعود والنزول الى الغيل ليستأثروا بمائه دون الناس. 

ظنا منهم ان حارسه قد طواه التراب ، دون ان يدروا ان اول مهام الاشجار العملاقة هو حراسة الغيول ، وانها كفيلة باعادتهم الى جادة الصواب. 

ولهذا لم يعد يؤرقهم سوى  تسرب المجاري الى مياه الغيل ، ويبحثون عن جهة مسئولة تنقله بعيدا عن الغيل ، 

دون ان يدروا ان التالوقة التي عاصرت عشرات الاجيال لديها من الحيل مايذهلهم .

ومن لم. تؤدبه الفطرة السوية سيؤدبه حراس الينابيع والغيول .

فحذاري من مكر حراس الغيول .

   .. ..انتهى…

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn
تم قراءته 382 مره

وسائط

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

عنوان موقع صوت الشورى

 صنعاء - شارع العدل  تقاطع شارع الزراعة
أمام محكمة بني الحارث ، جوار قاعة ابن الأمير

البريد الإلكتروني:
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هاتف:

967-777597797+
226773 -1- 967 +
فاكس:
564166 -1- 967 +

هيئة تحرير الموقع

رئيس التحرير

خالد حميد الشريف

المحررون

إبراهيم الحبيشي        محمد المطاع

ألطاف عبد الله        نجوى فؤاد سعيد

محمد الزرقة

تسجيل دخول المدير

تسجيل دخول المحررين