آخر الأخبار

السبت, 02 تشرين2/نوفمبر 2019 14:26

‪‎‪ صنع في اليمن (15) مميز

كتبه 
قيم الموضوع
(1 تصويت)

من بيحان إلى عدن

كان الشريف «حسين» رجل وفاء لا ينقض عهدا، ولهذا كان المعارضون لحكم الإمام يلتجئون إليه ويفرون إلى دياره، وكان يؤويهم حتى لو لم يرض «البريطانيون» وكان يتحمل لهذا السبب غضب الإمام "أحمد" عليه لأنه لم يرجع إلى الإمام "أحمد" . وكان إلى جانب ذلك صادق المشورة ولما سأله الأخوة أن يساعدهم قبليا على إيجاد موقع في الداخل وفي منطقة المشرق بالذات؛ لما له من صلة قوه بهم أجابهم بما معناه: «ربما لا تستطيعون العمل بشكل علني إذ لا ندري كيف سيكون موقف «والي عدن» أما بقاؤكم عندي فعلى الرحب والسعة وأنتم في بلادكم وبين أهلاكم.» وما لبثت أن وصل «ضابط بريطاني» كبير على طائرة حربية- ومعه مضيفتان عسكريتان وقائد الطائرة ومساعده- للاطلاع على سبب حشد عسكر الإمام على الحدود. فأقام له الشريف حفلة غداء دعا إليها الأخوان، ولم يحدث بينه وبينهم أي حوار، ولم يطلب اللقاء بهم، كما أنهم لم يطلبوا اللقاء به، لكنهم كانوا في المطار عندما عاد راجعا، بعد أن اطمأن إلى أن الحشد العسكري كان بسبب فرار الأخوة، ولم يكلمهم «الشريف» فيما إذا دار حديث عنهم مع هذا "الضابط» أملا.

*

كنا -أخي "قاسم" وأنا- على علم بأعدادهم للفرار عن طريق المكاتبة بالليمون السري، وكانت الإشارة بيننا عند سفرهم عدم وصول بريد منهم. وعندما وصل البريد العام لم يأت لنا معه بشيء فتأكد لنا فرارهم، وبين الفرحة بفرارهم والخوف عليهم من مخاطر الطريق وإلقاء القبض عليهم عشنا أياما يتصارع فيه الفرخ بالقلق والأمل بالخوف. ولكي نتأكد من فرارهم ذهبت إلى الشاوش أستطلع ما عنده وأخبرته باستغرابي لعدم وصول أي كتاب منهم، وقلت له أننا لن نكتب لهم هذا الأسبوع، فرد علي بكل بساطة قاسية: "أكتب لهم فربما وهم قتلوا". ولو لم أعرف الحقيقة لألقت بي الظنون في بؤرة الرعب الهائل، ولما لم نكتب رسالة لهم أبرقت والدتنا إلى «نائب حجة» - رحمه الله- تسأله عنا وتطلب الاطمئنان عنا وفي الوقت نفسه تطمئننا على صحتها وأن كل شيء على ما يرام؛ فحوّل "النائب" البرقية إلينا. فاطمأن خواطرنا بعض الشيء وبقي القلق متقدا في جوانحنا خوفا عليهم، وفي الأسبوع الذي تلاه وصل البريد وعليه إشارة الشفرة؛ وكانت واضحة بعض الشيء ولو أمعن الحرس الذين يطلعون على الرسائل الذاهبة والواردة لأمكن قراءتها بعض كلماتها على الأقل. كانت أختي «حورية» لأول مرة تكتب بالشفرة فلم تتمكن من المعادلة اللازمة بين الماء والليمون مما أبقى بعض الحروف وبعض الكلمات معتمة غير مخفية. ولكن الله ستر. وفي هذه الرسالة تطمئننا هي والوالدة بخروجهم من «صنعاء» بدون أن تذكر نجاتهم من «اليمن» فبقينا في قلق الانتظار.

وبينما نحن في هذه الحالة القلقة، نحسب وقع كل خطوة قادمة ألينا إيذانا بإلقاء خبر القبض عليهم؛ إذ بنا نسمع حنين سيارة جيب تدخل المقام. سقطت قلوبنا هلعا. وهب أحد الحراس متكهنا: لقد أوصلوهم. لم يبق شك لدينا أنهم القوا عليهم القبض فمنذ أن وصلنا حجة لم تأت سيارة إطلاقا وها هي اليوم قادمة، إذن لقد ألقي القبض عليهم. وذهب أحد الحرس يستطلع الخبر بينما ظللنا في عذاب الانتظار فترة حسبناها طويلة، وعندما جاء ألقى إلينا بأن الأمير «صمصام» وصل في طريقه إلى «شهارة» لغرض للإمام. سجدنا شكرا لله.

في اليوم التالي كما أظن فوجئنا بغتة بالتفتيش علينا لسبب لم نعرفه وأثناء التفتيش عثروا على أربعين ريالا كنا نقتطعها من مصروفنا لنرسلها لولدتنا لتستعين بها على شطف العيش، وكنا ننام على جوع، لنوفر لها أي مبلغ واذكر كيف صبر أخي قاسم على جوعه المضني ذات ليلة، ونام مطويا على جوع شديد من اجل إلا ينقص ما نوفره. ولحسن الحظ فلم يأخذ المفتشون المبلغ ، ولم يهتموا به؛ لقد كانوا يفتشون عن شيء آخر لم نعرفه، ولم نسألهم ولم يسألونا . كان كل شيء يمضي في صمت متوتر.

أرسلنا المبلغ إلى والدتي في البريد فوصل في اليوم الذي توفت فيه أم الشهيد "محمد ريحان" -سائق السيارة التي حملت المكلفين يقتل الإمام "يحيى"- وكان الناس يحجمون عن اللقاء بها، أو الكلام معها، لأن ابنها قاتل الإمام، وكانت تعيش في عوز بعد استشهاد ابنها "محمد" وحبس ابنها الآخر "عبد الله" فما كان من والدتي إلا أن تتركها تموت بين شماتة الشامتين وأو تجد نصيرا لها في موتها كما لم تجده في حياتها، فتولت بالأربعين ريالا تجهيزها تجهيزا كاملا يليق بأم شهيد، وأقامت لها الدرس في الجامع ثلاثة أيام، والعزاء في البيت مثلها، فتشجع بعض الناس على تشجيعها وحضروا ( دريسها ) وحضرت بعض النساء عزاءها. وما بقي من الأربعين صرفته لابن المرحومة "عبد الله "ولم تستبق لنفسها شيئا ورحم الله بنت أبو راس أم النجدات وأي عظيمة كانت.

*

وفي "صنعاء" بعد فرار الأخوان منها أصاب أعضاء «عصبة الحق والعدالة» اضطهاد ملاحقات وسجن، وكتب لي المرحوم الأخ "طه مصطفى" – أن القاضي «عبد الله الشامي»- صهر السيف "العباس بن الإمام" منع الأخ «عبد الكريم الغسَّالي» من إن يلتقي به، ومنعه من نزوله من صنعاء -حيث يسكن- إلى «بئر العزب» وحيث يسكن المرحوم "طه" لمنهما تحديا هذا الأمر، عندئذ أمر السيف «العباس» في 18جمادى الأخرة1373 / 21يناير1954 -أي بعد فرار الأخوان بشهرين- باعتقال الأخ «عبد الكريم الغسالي » و العميد «أحمد الجرموزي» والأخوين «فتحي صدقي» و«حامد الجرموزي» وغيرهم بتهمة توزيع المنشورات، فعذبوا عذابا نكرا، وكان السيف «العباس» بنفسه يتولى ضرب بعضهم بيده. وفي مذكرات المرحوم الأخ العميد المجاهد الصابر «أحمد محمد الجرموزي» «مذكرات ضابط جريح»-والتي لم تنشر إلى الآن- تفاصيل وافية عما لاقاه أولئك الشباب المجاهدون وعما لاقاه هو من ضرب مبرح.

ووَصلنا هذا الخبر من الأخ طه، وكنا-أخي «قاسم» وأنا- وقتها سجيني «بيت المؤيد» بـ«حجة» وليس لنا من طريقة للتعبير عن مشاعرنا نحوهم إلا أن نكتب قصيدتين نحييهم فيهما فكتبت قصيدة لم أعد أتذكر منها سوى بيت واحد:

شباب الحمى في سبيل الإله            عذابكم الواصب المنهمر

فطلب أخي «قاسم» أن يوقعها معي فرفضت؛ فصاغ قصيدة من أروع قصائده شجعهم فيها على الصبر وقوة الاحتمال، ونسج لهم من غسق اليأس ضوء أمل مشع واستهلها بقوله:

أسد الشباب الناهض المطماح         لكم الغد المبني بالأرواح

وقد بلغ إعجابي ذروته عندما صدح:

ولربما كان العذاب لأمة               في مقفل الثورات كالمفتاح

بل إني أقول أني غبطته على قصيدته، بل ربما حسدته عليها، فلم أعد أتذكر صحيح مشاعري آنذاك وهل كنت هازلا أم جادا عندما قلت له: ليتني سمحت لك بالتوقيع معي لكي تظل قصيدتي هي المغرد الوحيد، ولكني على كل حال قد كنت سببا لأن ينشئ أحد قصائده الرائعة

*

ذلك ماكان يحدث في الداخل بينما الأخوان يتابعون هجرتهم السياسية، وبمجرد وصولهم أنزلهم «الشريف» في دار الضيافة في الوقت التي وصلت برقية من الإمام إلى "الشريف" يخبره أن أولاد الوزير هربوا من بيت الأدب وأنهم ربما توجهوا إلى "بيحان" فإذا وصلوا إليه يعيدهم إليه، فأجابه "الشريف" أنه ليس من أخلاق العرب إعادة اللاجئين إليه، فسكت الإمام ،و اتصل بـ "والي عدن".

وبعد أن قضوا سبعة أيام في ضيافته استأذنوه بالسفر إلى «عدن» فأمر بركوبهم على طائرة عسكرية وصلت إلى "بيحان"، وستعود عن طريق «مكيرس» فغادروا في ربيع الثاني 1373/ سبتمبر عام 1954م -على ما أظن- إلى "عدن"، ورافقهم قريب من أقرباء الشريف لم يتركهم لحظة واحدة حتى بلغوا مأمنهم، وعندما كانت الطائرة تهبط في اتجاه المدرج فوق البحر ظن «ناجي الزائدي»- وكان لأول مرة يرى البحر وأمواجه العالية - أنها ستهبط فيه فصرخ بلهجته البدوية الجميلة: البحر بايبتلع الطائرة ياخبرة.

وصلوا إلى المطار الحربي ومعهم قريب الشريف فجاءت سيارة إسعاف مرسلة من قبل «الوالي» لتأخذهم إلى المستشفى، فخافوا أن يوضعوا في مكان لا يقدرون منه على الاتصال بأحد، ويظلون تحت المراقبة حتى يُبَتَّ في أمرهم، وفي الوقت نفسه كان حماس الشباب الثوري يغتلي في دمائهم، وساءهم أن يركبوا على سيارة يبعث بها "وال محتل" ففضلوا أن تأخذهم سيارة تكسي وهكذا تملصوا وغادروا المطار.

كان أول مشهد رأوه شدَّ أبصارهم واثر فيهم هو المطار بمدرجه المعبد وبمبانيه وبموظفيه، وطائراته، وعندما هبطت بهم فيه لم تثر نقعاً، ولم تملأ المكان غبارا، فتأثروا بما رأوه –رغم بساطته- وما فيه من خدمات، وقارنوا بينه وبين الممر الترابي الموجود في "صنعاء" والذي كانت الطائرة عند الإقلاع والهبوط يثير عاصفة ترابية تحجب الطائرة في رحلتها الداخلية النادرة (لا يوجد طيران خارجي) وعندما ينزاح الغبار ينزل منها بعض الركاب إلى العراء مباشرة حيث لا مكان ولا غرفة استقبال.

ولما غادروا باحة المطار امتدت أمامهم طرق معبدة نظيفة تنساب عليها سيارات عديدة ذاهبة وآيبة، أين منها حمير صنعاء وبغاله وخيله، وتقوم على جانبيها المنازل البيضاء الجميلة، وتتفرع عنها شوارع معبدة نظيفة.

وأفاقوا من انبهارهم على صوت يهدف بهم: إلى أين ستذهبون ؟ تذكروا أنهم كانوا يسمعون بنزل يسمى «فندق التركي» لكنهم في الوقت نفسه قرروا أن يتجهوا أولا لزيارة الزعيم الكبير الشيخ «عبد الله الحكيمي» حيث إن زيارته مقدمة على كل شيء، فطلبوا من السائق التوجه بهم نحو منزل الزعيم الكبير. وأصر قريب "الشريف" أن يصحبهم إليه.

كان الزعيم "الحكيمي" يحسد في شخصيته قضية "الثورة الدستورية"، والعمل من أجل الشورى والدستور ولا يهدف قط إلى نيل منصب من وراء جهوده كما هو عليه سائر المتزعمين، وكان هذا الزعيم الكبير قد غادر "كرديف" في 12 الحجة1371/ 2 سبتمبر 1952 عائدا إلى الوطن لينطلق نضاله من نقطة قريبة، وفي طريقه إلى عدن زار كثيرا من البلدان الأجنبية والعربية ولما وصل "مصر" قابله الرئيس "محمد نجيب" وباحثه في "قضية اليمن"، واجتمع بالأستاذ "الزبيري" ورفاقه، وفي "السودان" قابل الزعيمين "عبد الرحمن المهدي" و "علي المرغني" ثم زار "أثيوبيا" و"كينيا" وقابل والي "ممباسه" "أمين بن سعيد"، ثم توجه نحو "الصومال" وفي يوم الخميس15ربيع الثاني1372/1يناير1953 غادره إلى "عدن" وعندما وصلها في29 ربيع الثاني1372 /15 يناير 1953 استقبل استقبالا لم تعرف له "عدن" مثيلا ، بيد أن مؤامرة خبيثة دبرها له بعض اليمنيين من عملاء الإمام في "كارديف" كدرت صفو اللقاء. ذلك أنهم وضعوا خفية في حقائب سفره - التي أرسلت قبل وصوله واحتجزت في جمرك عدن- بعض الأسلحة وعلم "الحكيمي" قبل وصوله بذلك، لكنه استمر في السفر علما ببراءته والغريب أن "السلطات البريطانية" لم تتحرك وقتها حتى إذا مضى شهران ونصف على وصوله "عدن" أقدمت قي 17 رجب1372/2 ابريل 1953 على اعتقاله لمدة سنة مع الأشغال لكن بعد أربعة أشهر و في 6 القعدة1372/17 يوليو 1953 أطلقته محكمة استئناف شرق إفريقيا البريطانية، واعتذر له حاكم عدن، وكرمه أهاليها يوم السبت5 الحجة1372 /15 أغسطس 1953 تكريما حافلا ورائعا، وأقام "نادي الإصلاح العربي" احتفالا كبيرا له، ووسط هتاف الجماهير ألقى الزعيم الكبير كلمة رائعة ألهبت القلوب والأكف والحناجر، كما ألقى الشاعر الكبير "محمد سعيد جرادة" قصيدة ترحيبية رائعة مطلعها

جئنا نحيي مجدك الوثابا         ونفي علاك من الولاء نصابا

وهي قصيدة رائعة تتناغم من شاعر كبير مبدع مع زعيم كبير مقنع.

وفي17 صفر1373 /25 أكتوبر 1953 انتخبه :الاتحاد اليمني" بالإجماع رئيسا له وكانت أولى مهماته أن يزيل ما نجم من خلاف بين صفوف المعارضة، أو بالأحرى بين "الإتحاد اليمني" في "عدن" وفرعه في "القاهرة" وكانت بوادره قد ظهرت؛ فحاول الزعيم "الحكيمي" أن يلملم صفوفهم، والتف حوله الشباب الجديد من أمثال «علي عبد العزيز نصر» و"ياسين قايد الأغبري" «احمد عبد الرقيب حسان» و«محمد الاسودي» و«محمد سلام» و«علي الأحمدي» وآخرون. ويصف الأخ «قاسم» مكانة الشيخ «عبد الله الحكيمي» في تلك الفترة الحرجة التي تكوَّن فيها «الاتحاد اليمني» أنه: (كان ملء العيون والقلوب، يطوي تحت عباءته في صبر القديسين كل التناقضات محاولا توحيد وتوجيه كل الجهود نحو الهدف المنشود صابرا على فنون من الإيذاء بلغ حد الإيقاع به).

هذا هو الزعيم الذي استقبل في بيته بـ "الشيخ عثمان" الإخوان لثلاثة الهاربين من سجن الإمام، وظلم الإمام ليناضلوا للتخلص من حكم الظلم والجور.

وصلوا إلى منزله ودخلوا إلى الطابق الأول في الوقت الذي وصل فيه رجل تشير قيافته إلى أنه من وجهاء البلد؛ يضع على رأسه «دسمانا» جميلا لا يضعه إلا من كان له مكانة اجتماعية مرموقة، فخاطب الآذن بأن يبلغ الشيخ أنه يريد أن يراه لخبر هام، فاستفسره الأخوان عن الخبر فقال: بأنه تأكد له أن القبائل أوصلت «أولاد الوزير» إلى «بيحان»، فهمس أحد الأخوان للآذن: أبلغ الشيخ أن «أولاد الوزير» يريدون مقابلته. وبعد لحظات سمعوا صوت الشيخ الجليل ينادي: أهلا وسهلا بينما كان يهبط لاستقبالهم وهو في ذروة الفرح والابتهاج وكان يهتف :«الحمد لله لقد انتصرنا عليه، لقد انتصرنا على الظالم» وكان يردد وهو يعانقهم: «إن وصولكم انطلاقة جديدة ذات أهمية سوف تدفع بالعمل خطوات كبرى إلى الأمام» معتبرا وصولهم انتصارا واضحا على الإمام.

بعد حديث موجز- كما حدثني المرحوم الأخ "إبراهيم"- استأذنوه في الذهاب فقال الشيخ الجليل مستنكرا: (وأين تذهبون؟ إن مقر «الاتحاد اليمني» مقركم، وكل مواطن يمني أب لكم وأخ وولد. لقد استشهد آباؤكم في سبيلهم) وأمر أن توضع سيارة تحت تصرفهم، وأن تفرد لهم غرفة في مقر «الاتحاد اليمني» وأن يشترى لهم كسوة، وأن يجهز «المقر» لإقامة حفلة ابتهاج كبرى بمناسبة نجاتهم. وطلب من الأخ «إبراهيم» أن يجهز كلمة ردا على خطب الاحتفاء ففعل. فذهبوا إلى "الاتحاد اليمني" ومعهم قريب "الشريف" فلما وصلوا إليه واطمأن عليهم في مأمنهم هذا ودعهم بمحبة عارضا عليهم خدماته في أي حين.

كان يقيم في الاتحاد آنذاك "عبد الملك الطيب" و "عبد الله حمران" و "قاسم غالب"، ومجموعة أخرى من الشباب اليمني الهارب كأولاد المقحفي الاثنين و "عبد الله عبد الله عامر"، فلم يجدوا لهم غرفة منفردة فنزلوا مع المرحوم "قاسم غالب" في غرفة فاستقبلهم ببشاشة وترحيب، وحدثهم عن الوضع في "الاتحاد اليمني" وشن هجوما على معظم القائمين بالعمل الوطني واتهمهم بعدم الجدية، وأسبل على الزعيم "الحكيمي" برود الثناء واصفا إياه بالإخلاص وبطيبة القلب. ولا تسل عن مدى صدمة حديث قاسم غالب في أنفسهم إذ كانت الصورة لديهم عن معارضي الخارج نقية صافية ولم يكن لديهم بالخلافات تلك علم.

وزارهم الزعيم الكبير "الحكيمي" في محل إقامتهم وتحرى المسؤولين في العناية بهم، وتكررت زيارتهم له وفي اجتماعاتهم به شرحوا له طبيعة مهمتهم وأن خطتهم منذ البداية هو الهرب إلى "عدن" للاجتماع بفضيلته ودراسة الخطة معه تلك الخطة التي وضعت في "معتقل" حجة ثم السفر إلى "القاهرة" للاجتماع بالأستاذ المرحوم "الزبيري" لتنسيق الحركة والعودة إلى "عدن "والذهاب إلى المناطق الجبلية في الداخل للقيام بالثورة، وشرح لهم الزعيم "الحكيمي" الوضع، وتحدث مطولا عن أخي "عبد الله" وأخبرهم أن رسالة منه وصلت إليه بعد سفره من عدن ولم تصله إلى "كارديف" إلا وقد انتقل الشهيد إلى ربه، وأن هذا ما آلمه وأحزنه. فكما أعطاهم فكرة عن حقائق الوضع داخل صفوف المعارضة وما تعانيه من انشقاق بسبب الطموحات الشخصية والنعرات المذهبية والعنصرية، وأطلعهم المجاهد الوقور في أسى على الخلافات القائمة بين «الاتحاد اليمني» في «عدن» و«الاتحاد اليمني» في «القاهرة» ثم قال لهم: أرجو أن يكون وصولكم بداية لمرحلة جديدة تتوحد فيها الجهود لخدمة الهدف الواحد.

أتاحت لهم الأيام القادمة القلية فرصة التعرف على "عدن" وعلى الفوارق الحضارية بينها وبين "صنعاء" فزارهم الأخ "ياسين الأغبري" واستضافهم للغداء في بيته مع لفيف من "العدنيين" وحضر مقيله آخرون للتعرف عليهم ودار فيها النقاش حرا بدون خوف ولا وجل، كما وجدوا الجرائد بين أيديهم على اختلاف وجهات نظرها وهي التي كان بعضها يتسرب إليهم في سرية مطلقة وكأنها منشورات ثورية محرمة. كما زاروا الأخ "محمد لقمان" وقيلوا معه وعقب المقابلة صرحوا (إن الأستاذ لقمان في عدن رجل عرف بجهاده المتواصل من أجل اليمن وأبنائها)

وفي أثناء بقائهم القصير بعدن وصل إلى زيارتهم المرحوم "حسين بن محمد عثمان" الوزير احد ثوار الدستور والناجين من قبضة الأمام واستضافهم في فندق التركي، وقدم لهم قطع اللحم الاستيك الأمريكي الشهير فتذوقوا ما حرموا من اللحم طويلا، ثم أخذهم إلى السينما لمشاهدة عرضين كان الأول لفريد الأطرش. فانبهروا بما رأوه لأول مرة.

وجاء السلطان الماجد "صالح بن حسين العوذلي" إلى باب "الاتحاد اليمني" وأخذهم معه بسيارته وطاف بهم على "عدن" و "التواهي" و "الميناء الكبير" وسط طرق معبدة، وسيارات ذاهبة وآيبة، وحركة تجارية واسعة. ثم عادوا إلى المقر وملء عيونهم صور شتى تتألق من مطاعم نظيفة، إلى سينما حالمة، إلى شوارع مضاءة بالكهرباء، إلى متاجر تسطع فيها أضواء النيون والثريات ويسيل منها الضوء فتجعل ليالي "عدن" بحرا من النور. ولعل الظلام الدامس في ليالي "صنعاء" المظلمة قد أسهم في تضخيم أضواء "عدن"، وبضدها تتبين الأشياء.

وذات يوم وصلت سيارة السلطان "شريف بيحان" تستدعيهم إلى قصره، فذهبوا إليه فوجدوا عنده ذلك الشريف النبيل الذي رافقهم في الرحلة، ولم يعلموا حتى الآن هل قام برفقتهم من نفسه أو بتكليف من الشريف.

في هذا الأوان وصل الأستاذ "علي الجناتي" من "القاهرة" ،مبعوثا من قبل الأستاذ "الزبيري" لرأب الصدع داخل "الاتحاد" والذي بلغ مرحلة متوترة ، وكان الشرخ واضحا .

وكما أمر الزعيم "الحكيمي" بإقامة حفلة تكريم الأخوة الثلاثة في مبنى "الاتحاد اليمني" فقد أقيمت حفلة كبرى حضرها عدد كبير من أدباء ومفكري «عدن» وغيرهم وخطب الشيخ الجليل خطبة رحب فيها بهم فأطال الترحيب وكان خطابا يعد -كما كتب أخي "قاسم" فيما بعد- درسا في أخلاق النضال السياسي والعمل الثوري وارتفاعا بهما إلى مستوى المبادئ التي يستهدفها. كما تحدث الأخ الشهيد «علي أحمد الأحمدي» وأشار في خطابه ( لقد استقبلت هذه الدار سيف الحق «إبراهيم» في الماضي وها نحن اليوم نستقبل سيف الحق «إبراهيم» الآخر وإخوانه) وخطب المرحوم "علي الجناتي"، فدعا إلى الألفة والاتحاد ثم قام الأخ «إبراهيم» فألقى كلمته الشاكرة الذاكرة محرضاً على وحدة الجهاد داعيا إلى لملمة الصف واعدا ببذل كل الجهود في إنقاذ «اليمن» من الحكم الفردي الظالم.

مواجهة مع مدير الأمن البريطاني

بعد حفلة التكريم بيوم أو يومين- ولم يكن أحد بـ«الاتحاد اليمني» غيرهم- وقفت أمام «المقر» سيارة حكومية نزل منها سائقها وهو من "جيش الليوي العربي"، ودخل إليه طالبا «أبناء الوزير» وقال لهم أنتم مطلوبون إلى عند مدير «الأمن العام» الآن فذهبوا معه. ومن العجيب أن أحدا لم يخبر رئيس «الاتحاد اليمني» الشيخ «عبد الله الحكيمي» وقتها بأمر هذا الاستدعاء.

استقبلهم المدير العام الإنكليزي باحترام، ثم فاجأهم ببرود إنكليزي معروف بأن عليهم أن يغادروا «عدن» في ظرف48 ساعة؛ فاحتج الأخوان على هذا الأمر المتعسف، وقالوا له بطهر ثوري لا يعرف أي تكتيك سياسي أنهم لن يغادروا «عدن» لأن «عدن» بلادنا ونحن لسنا مستعمرين وأنك أنت المستعمر الذي يجب أن يغادرها» فرد بنفس البرود المثلَّج وعلى فمه ابتسامة: «إن هذه أمور ليست من اختصاصي. أنا مسئول فقط عن ترحيلكم وسأنفذه وفي وسعكم أن ترفعوا على "الوالي" وعلى "البريطانيين" قضية في المحاكم، لكن الشيء المطلوب مني هو ترحيلكم عن «عدن» فورا. هذه مسئوليتي. ولكم أن تختاروا أي مستعمرة إنكليزية وسنتكفل بنقلكم إليها إلا «عدن» و«الجنوب» فسألوه ،وإذا لم نغادر فما هي الإجراءات؟ فرد ببساطة متناهية "نرجعكم من حيث جئتم».

أطل وجه الإمام «أحمد» ساخرا وهو يراهم قد عادوا إلى بين يديه مكتّفين قبل أن يلقي بهم في غيابات السجن. فقال «إبراهيم» بتحد ثوري منفعل ملوَّحا بـالرئيس «نجيب»: «بل نرحل، ولكن لا إلى مستعمراتكم وإنما إلى «قاهرة العرب الثورية» فرد بنفس البرود وعلى فمه نفس الابتسامة: «لكم ذلك».

رجعوا إلى المقر وأبلغوا الشيخ بما حدث فغضب غضبا شديدا لأن أحدا لم يبلغه وقال لن تسافروا إننا نرفض هذا القرار سوف نرفضه وسنخرج إلى الشوارع ونتظاهر ونقاتل إن لزم الأمر، ولكن لسوء الحظ فقد سقط الشيخ مريضا، وجاء بعض الأخوة فاجتمعوا بالإخوان الثلاثة وأقنعوهم بضرورة السفر حرصا على سلامتهم وسلامة الشيخ وسلامة الحركة وألاَّ يعطوا «الإنكليز» المبرر لسحق الحركة وأن وأن وأن.. فوافق الأخوان على السفر وابرقوا إلى اللواء "محمد نجيب" يشرحون فيه هروبهم من سجن الإمام إلى "عدن" وتهديد البريطانيين لهم بالطرد وأنهم يستأذنونه بالأذن بوصولهم إلى القاهرة عاصمة العرب فأجاب عليهم "أهلا بكم في اأرض الكنانة"

تم حُجز مكان لهم على سطح باخرة صغيرة عتيقة متجهة إلى «القاهرة» عبر «بورت سودان» بدون أن يخطر أحد الشيخَ « عبد الله الحكيمي» -وهو المسئول الأول- ، ولما علم الشيخ «عبد الله الحكيمي» بعد ذلك بأن كل شيء قد أعد غضب غضبا شديدا نازلا باللوم على الذين حجزوا لهم دون أن يخطروه، وانفجر الشيخ بالفعل باكيا. وانطوى في داره غاضبا وهو كظيم.

جرى كل ذلك بسرعة وتكتم ولم يعرف أحد ما جرى في المقابلة من تهديد وطرد؛ ومن دبر ذاك وقد يكون البريطانيون قد استجابوا للإمام الذي اشتد في مطالبته بهم ولكن من الذين حجز لهم على ظهر باخرة ستتعرج على مدينة "جدة" والسعودية حليف للإمام ويصور لنا الأخ المرحوم "محمد الرباعي" – وكان قد وصل هاربا إلى عدن ونزل بالاتحاد اليمني في ذلك الأوان- مدى التستر على العملية بدقة:(لم نعرف جميعا ،أعني كل الشباب الذين كانوا معنا في الاتحاد بأن سفر الإخوان كان نتيجة ضغط من البريطانيين، وإنما كان تحرك الأخوة أعضاء الإتحاد يوحي بأن ترتيب السفر ضمن الخطة المتفق عليها من الأخوان آل الوزير، وكان الكتمان هو السائد على كل التحركات والترتيبات ثم علمنا بأن الحكومة البريطانية أبلغت رغبتها إلى الأخوان بضرورة مغادرة عدن) .

وكانت صدمة للإخوان الثلاثة عنيفة حطمت النية على الرجوع إلى "عدن" لتنفيذ خطة مقاومتهم لنظام الإمام؛ إلى جانب ما سمعوه في "عدن" من صدى الخلافات، إذ كانوا يظنون أن أعضاء "الاتحاد اليمني" جميعا قلب واحد ويد واحدة، وما كانوا يعلمون أن بعضهم يدبر شرا للشيخ الجليل ولهم و"للاتحاد اليمني". ولأول مرة يواجه «الأخوان» غير ما ألفوه من نبل الجهاد وطهر الكفاح وصفاء الزمالة ونقاء المقاصد. ولم تتكشف لهم الأهواء التي ما لهم بها من علم إلاَّ بعد ذلك بفترة عندما كاتبهم الشيخ الجليل وقد بلغ به الضيق مبلغه بما حدث. وهم قد جاؤوا مخلصين ليضعوا أنفسهم تحت قيادة "الزبيري" وتخلى "إبراهيم" عن البيعة في "حجة".

وقد علموا فيما بعد هذه الفترة -من خلال مكاتبات جرت بين الشيخ الشهيد نفسه، وبينهم- أن بعض أعضاء «الاتحاد اليمني» احتجوا عليه لحرارة الاستقبال وأمره بإعطائهم غرفا خاصة وهم زيود وهاشميون في حين أن غيرهم من الهاربين لم يحظوا بمثل هذا؛ وكشف لهم أن بعضهم احتج عليه لحرارة الاستقبال الذي استقبلهم به معتبرين وجودهم خطرا على طموحاتهم لأنهم سيخطفون الأضواء. وحاول أن يشرح لهم أن المقارنة غير واردة وأن من فقد أباه وماله وأرضه وفر من سجنه وهو بالثقل الاجتماعي الذي يمثلونه غير من هرب بدون أن يحمل تلك التضحيات الثقال. وأصرَّ الشيخ الجليل على موقفه، ولما لم يجدوا بدا من مسايرته سكتوا أو أضمروا أمرا وبيتوا كيدا. ومن المؤكد أن العنصرية والتمذهبية كانت نشطة في تلك الفترة في الداخل والخارج على السواء.

وتأهب الأخوان الثلاثة إلى مغادرة "عدن" ليواجهوا مخاطر أخرى

يتبع

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn
تم قراءته 442 مره

وسائط

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

عنوان موقع صوت الشورى

 صنعاء - شارع العدل  تقاطع شارع الزراعة
أمام محكمة بني الحارث ، جوار قاعة ابن الأمير

البريد الإلكتروني:
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هاتف:

967-777597797+
226773 -1- 967 +
فاكس:
564166 -1- 967 +

هيئة تحرير الموقع

رئيس التحرير

خالد حميد الشريف

المحررون

إبراهيم الحبيشي        محمد المطاع

ألطاف عبد الله        نجوى فؤاد سعيد

محمد الزرقة

تسجيل دخول المدير

تسجيل دخول المحررين