You are here:أنت تتصفح»تنوير»كتابات فكرية»خصائص الثقافة السياسية العربية

خصائص الثقافة السياسية العربية

الأربعاء, 09 فبراير 2011 22:42
الثقافة السياسية العربية تمثل مخزوناً تاريخياً هائلاً يتكون من قيم الشجاعة، والتواضع، والتسامح، والحرية ونقائضها، فالعبرة هي بطبيعة الظروف والقيادة السياسية التي تساعد على إبراز مجموعة معينة من القيم على حساب غيرها. فالمجتمع العربي تواصل تاريخياً مع الحضارة العربية الإسلامية، ثم أنقطع هذا التواصل أثناء المرحلة الاستعمارية، وفي دول مثل مصر والعراق والجزائر يوجد مقوم سابق لانتشار الإسلام، وتلك الخبرات المختلفة أفرزت عناصر متنافرة تعايشت معاً وبرزت في مراحل تاريخية معينة. وبصفة عامة، فإنه يمكن التعرف على أهم خصائص الثقافة السياسية العربية من خلال تحديد موقفها من ثلاث قضايا رئيسية:
1 – قضية الانتماء والهوية، ويقصد بالانتماء علاقة نفسية في المقام الأول، وهي الشعور بمفهوم «النحن» وتنبثق من ذلك العلاقة بين «النحن» و»الهم». فالانتماء هو شعور الإنسان بالانخراط في جماعة بشرية ما واعتناقه لرموزها وتقاليدها. هذا الشعور هو الذي يعطيه ذاتية ثقافية وخصوصية ما، كما أنه هو الذي يضع الحدود بين الجماعات الإنسانية، أين تبدأ وأين تنتهي، ويحدد العلاقات بينها، إن ألفة وصداقة، وإن منافسة وعداوة، وإن خليطاً من الاثنين. وانتماء الأفراد لمجتمع معين لابد أن يرتبط بالإجابة عن عدة أسئلة مثل: أين يقفون أثناء تفاعلهم مع غيرهم من أفراد المجتمعات الأخرى؟ وما هو تصورهم للهدف من وجودهم؟ وكيف يتصورون تحقيقه؟. ويؤدي عدم الإجابة على هذه الأسئلة من خلال عملية التنشئة السياسية إلى ما يعرف باسم أزمة الهوية.
وللانتماء مستويات متعددة منها مستوى الأسرة الممتدة، ومستوى العشيرة والقبيلة، ومستوى الجماعة الدينية أو الطائفية، ومستوى الأمة والوطن. وفي المجتمعات النامية، ومنها العربية، نجد أن قيمة الولاءات التحتية (دون الدولة) تكون أحياناً من القوة بحيث تتنافس مع الولاء للدولة.
يبرز هذا بوضوح في المجتمعات التعددية مثل المجتمع اللبناني، حيث يعرف المواطن نفسه من منطلق الطائفة التي ينتمي إليها كشيعي، أو كسني، أو كدرزي، أو كماروني. وقد تأكد ذلك أكثر عند اندلاع الحرب الأهلية وزيادة التركيز الجغرافي على أسس طائفية نتيجة شعور الفرد بعدم الأمان خارج أسوار طائفته. كما ارتبطت بالحرب ظاهرة أخرى هي تشكيل الميليشيات الطائفية التي كانت تعبر في حد ذاتها عن اقتناع بهشاشة كيان الدولة، وعن الشعور بالتعارض في ما بين الولاءات المختلفة.
وما يصدق على لبنان يصدق أيضاً على الصومال. فرغم أن اللغة الرسمية للدولة هي اللغة العربية، إلا أن لغة أهل الجنوب هي الإيطالية، ولغة أهل الشمال هي الانكليزية. ويتوازى مع هذا التمايز اللغوي تمايز اجتماعي – اقتصادي بين الشمال والجنوب. ففي الوقت الذي كان يعاني فيه شمال الصومال، نتيجة سياسات الرئيس سياد بري، من أزمات اقتصادية ومجاعات حادة، ركزت الحكومات الصومالية المتعاقبة اهتمامها على جنوب البلاد على نحو غرس بذور الفتنة القبلية. وبلغت حدة الأزمة أوجها عندما قامت قوات الحكومة بالهجوم بالطائرات والمدافع على قبائل إسحاق الشمالية في عام 1989م في حملة قدر عدد ضحاياها بحوالي 100 ألف بين قتيل وجريح. مثل هذا الوضع شكل خلفية أزمة الانتماء عند قبائل الشمال ودعاها لإعلان استقلالها في أيار/مايو 1991م مكونة جمهورية «أرض الصومال» في المنطقة التي كانت تقع تحت سيطرة الاستعمار البريطاني عام 1960م.
وعلى مستوى الوطن العربي، أوضحت الدراسات الميدانية التي حاولت تحليل الثقافة السياسية العربية (أخذاً بعين الاعتبار المصاعب التي تواجه هذا النوع من الدراسات والتي تتعلق أساساً بصعوبة الوصول إلى المعلومة فضلاً عن الشك في مبلغ دقتها)، أن الأسرة جاءت في المركز الأول من حيث اهتمامات الأفراد بنسبة كبيرة، مقارنة بالدولة، والوطن العربي، والعالم الإسلامي، وأن الانتماء إليها يجبُّ ما دون ذلك من انتماءات. فلا تزال الأسرة هي الكيان الأساسي الذي يستمد منه المواطن العربي معظم قيمه وتعاليمه، وهي مركز اهتمامه ومحور نشاطه. لكن ضعف علاقة انتماء المواطن بالدولة، ليس هو المظهر الوحيد لأزمة الهوية، فهناك بعد آخر يتمثل في أن بعض الجماعات ترفض حدود الدولة وتتجه بانتمائها إلى نطاق أوسع، سواء كان قومياً (عربياً) أو أممياً (إسلامياً).
والملاحظة المهمة في هذا الخصوص، هي أن عدم التناسق بين تلك الدوائر أو الانتماءات (دون الدولة والقومية والأممية) مع الولاء للدولة ذاتها، وغياب وضوح الرؤية لترتيبها قد يؤدي إلى رفع السلاح في وجه الدولة. وكما أشير آنفاً فإنه لا يوجد بالضرورة ما يحتم التصادم في ما بين هذه الانتماءات والولاءات، بعضها مع بعض، فليس هناك ما يمنع أن يعزز المواطن انتماءه إلى جماعته اللغوية، أو المذهبية، أو القبلية بشرط ألا يكون انتماؤه لدولته محل خيار أو مفاضلة، فالمجتمع الأمريكي على سبيل المثال مجتمع شديد التنوع الثقافي لكنه في الوقت نفسه يمثل إطاراً تتكامل فيه مختلف الجماعات الثقافية، وتصطلح على حد أدنى من القيم السياسية والاجتماعية.
كما أن تبني فكرة الوحدة العربية لا ينبغي أن يكون مسوغاً للاستخفاف بالولاء للدولة، ومع الارتباط بهذه الأخيرة كمرحلة ضرورية من مراحل التطور التاريخي في اتجاه هذا المشروع القومي. وتثبت التجارب الوحدوية الناجحة على مستوى العالم أنها نبعت من الاعتراف بالخصوصيات والمصالح القطرية وتوصلت إلى صيغ خلاقة للتفاعل بينها من دون أن تحاول إنكارها أو تخطيها.
2 – قضية المشاركة السياسية، ويقصد بها تحديداً الأنشطة الإدارية التي يقوم بها أفراد المجتمع بهدف التأثير في العملية السياسية، ومن مظاهر تلك المشاركة السياسية: التصويت، وحضور المؤتمرات والندوات، ومطالعة الصحف وبيانات الأحزاب وبرامجها، والاتصال بالجهات الرسمية، والانخراط في المؤسسات الوسيطة مثل الأحزاب والنقابات، والترشيح للمناصب العامة، وتقلد المناصب السياسية. وقد يلجأ الفرد إلى نوع من المشاركة غير المشروعة كالتظاهر، والاعتصام، وأعمال الشغب عندما يشعر أن الوسائل القانونية غير ذات فعالية.
وتصنف الثقافة العربية على أنها ثقافة ضيقة وفقاً للتصنيف الذي وضعه ألموند وفيربا. فالمشاركة السياسية في غالبية البلدان العربية تتصف بالشكلية، والموسمية، وعدم الفعالية، إذ إن القرارات السياسية عادة ما تتخذ من قبل النخب الحاكمة وتترك للجماهير العربية مهمة إضفاء الشرعية الصورية عليها من خلال انتخابات معلومة النتائج سلفاً. كما أن ظاهرة المرشح الواحد مسألة واسعة الانتشار في الواقع العربي حتى في إطار النظم التي تأخذ بالتعددية الحزبية، إذ يستأثر حزب الحكومة عادة بكل الضمانات الكفيلة بتحقيق النسبة المطلوبة في الانتخابات ويقوم بممارسة الضغوط على الناخبين. ويشار أيضاً إلى أن المشاركة السياسية في البلدان العربية هي مشاركة متقطعة لا تتخذ شكلاً منتظماً، بمعنى أنها ترتبط أكثر بعملية التعبئة الاجتماعية أثناء الأزمات منها بالمبادرات الفردية، بحيث يعود المواطن بعدها إلى سلبيته، وبخاصة مع تواضع دور المعارضة الفعالة.
ولا تقتصر ظاهرة السلبية السياسية في الوطن العربي على جماعة بذاتها، فهي تنتشر بين الأغنياء والفقراء، والمتعلمين وغير المتعلمين، بحيث يظل الفارق بين مجتمع وآخر، أو بين شريحة اجتماعية وأخرى، فارقاً في الدرجة لا في النوع.
لكن من المفارقة أن السلوك الفعلي للجماهير العربية شيء ومشاعرها غير المعلنة شيء آخر، بمعنى أن الجماهير قد تحجم عن المشاركة شعوراً منها بعدم جدواها، وهي قد تشارك لا تعبيراً عن نوع من الوعي السياسي إنما مقابل تلقيها خدمات معينة من المرشحين بحيث تصبح المشاركة في هذا الحال بمثابة تزييف للوعي السياسي.
وتجدر بنا الإشارة هنا إلى أن الثقافة السياسية العربية قد تحمل توقعات بالمشاركة متى توفر المناخ الملائم وعُبِّدت الطريق أمامها وتراءت لها فرص الإصلاح والتغيير.
3 – قضية علاقة الدين بالقومية، وهنا نستطيع أن نقول إن الإسلام حدث حاسم في تاريخ العرب لأنه أدخل تطورات أساسية واسعة في حياتهم الاجتماعية والفكرية والسياسية يمكن اعتباره معها حداً فاصلاً أساسياً في تاريخهم. ونتيجة لذلك تعتقد الأغلبية بمركزية الإسلام كأحد مقومات الوجود القومي، وعلى ضوء ذلك يريد البعض أن تتم الوحدة العربية على أساس إسلامي وأن تكون هذه الوحدة خطوة نحو وحدة إسلامية كبرى.
آخر تحديث في الثلاثاء, 30 نوفمبر 1999 03:00
قيِّم هذا المقال
(1 تقييم)